
تقرير: سمر أبو الدهب
دخلت المواعيد الجديدة لغلق المحال والمطاعم والكافيهات حيز التنفيذ الفعلي منذ الثامن والعشرين من مارس الجاري، حيث بدأت الجهات المختصة في تطبيق التوقيتات المقررة رسميًا على مستوى الجمهورية.
وتلتزم كافة الأنشطة التجارية حاليًا بالمواعيد المعلنة، مع استمرار استثناء الخدمات الحيوية كالصيدليات والمخابز لضمان تلبية احتياجات المواطنين على مدار الساعة.
وتتباين الآراء حول جدوى هذا القرار في توفير الطاقة مقابل فاتورة الخسائر البشرية والاقتصادية، ذلك القرار الذي يقضي بالإغلاق في تمام التاسعة مساءً طوال أيام الأسبوع، مع استثناء يومي الخميس والجمعة حيث يمتد العمل حتى العاشرة، يفتح ملفًا شائكًا حول قدرة الفرد على الصمود أمام تقلبات القرارات الإدارية المفاجئة.
تأثير الإغلاق على حياة العمالة غير المنتظمة
خلف الأبواب التي ستغلق مبكرًا، تكمن قصص إنسانية تعكس حجم الأزمة؛ حيث أكد عبده علي، صاحب مقهى متوسط في أحد الأحياء الشعبية، أن القرار يقتطع من رزقه في الساعات التي تمثل ذروة الإقبال، مؤكدًا أن الزبون الحقيقي يبدأ يومه بعد العشاء، وأن إغلاق المقهى في التاسعة يعني إنني سوف أخسر أكثر من نصف إيرادي اليومي على أقل تقدير، بينما الإيجار والرواتب تظل ثابتة بلا رحمة.
أما مريم محمود، وهي طالبة جامعية تعمل بائعة في محل ملابس لتغطية نفقات دراستها، فتخشى من تقليص “الشيفتات” المسائية التي تعتمد عليها، و تمثل مريم آلاف الشباب الذين يجدون في العمل المسائي فرصة وحيدة للاستمرار وسط ضغوط مواعيد المحاضرات، وإلغاء هذه الساعات يعني بالضرورة تهديدًا مباشرًا لمستقبلها التعليمي وقدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية في ظل الفجوة الرقمية المتسعة بين الدخل والأسعار.
12 مليون عامل.. فجوة الأرقام وأزمة التوثيق
تُسلط هذه الأزمة الضوء على مفارقة صادمة في سوق العمل المصري؛ فبينما تشير البيانات الرسمية لوزارة العمل حتى مطلع عام 2026 إلى تسجيل نحو 1.16 مليون عامل فقط ضمن قواعد بيانات العمالة غير المنتظمة، فإن الواقع الميداني والتقديرات الاقتصادية تؤكد أن العدد الفعلي يتجاوز الـ 12 مليون عامل، هؤلاء الملايين الذين يعمل أغلبهم في قطاعات الكافيهات والمطاعم والخدمات، يعيشون بالفعل في ظروف هشة، ويأتي قرار الغلق ليزيد من معاناتهم في ظل غياب الحماية التأمينية الشاملة التي تضمن لهم حياة كريمة.

هل يدفع القطاع الخاص ضريبة الترشيد؟
وفي ذلك أوضح الدكتور أحمد أبو الفتوح، الخبير الاقتصادي، أن التوجه نحو الحلول الإدارية القسرية مثل الإغلاق المبكر قد يولد آثارًا انكماشية في السوق، موضحًا أن توفير الطاقة من خلال إغلاق تلك المحلات يظل ضئيلًا مقارنة بحجم الخسارة في صافي الربح الناتج عن ضياع ساعات الذروة، خاصة وأن التوقعات تشير لتراجع المبيعات بنسبة تتراوح ما بين 30% إلى 50%.
واقترح أبو الفتوح بدائل أكثر مرونة، منها تحفيز المحال على استخدام الطاقة الشمسية، أو البدء بترشيد الإنارة في المباني الحكومية والميادين العامة، بدلاً من المساس بقطاع الخدمات الذي يمثل ركيزة أساسية للاقتصاد، مؤكدًا أن الترشيد يجب أن يراعي المشكلات الجيوسياسية العالمية وتأثيرها على سعر الصرف وتكلفة المعيشة، لضمان استمرارية النشاط الاقتصادي وخاصة الخدمي.
ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن الموازنة بين ضرورة توفير الموارد وحماية الحق في العمل هي جوهر الأزمة الراهنة، لافتًا الى أنه خلف كل باب يُغلق في التاسعة مساءً، هناك أسرة تخشى من انخفاض دخلها، وعامل يخشى فقدان وظيفته.
ويبقى الرهان الآن على مدى مرونة الحكومة في دراسة نتائج هذا الشهر التجريبي، لضمان ألا يتحول ترشيد الاستهلاك إلى عبء إضافي يثقل كاهل المواطن البسيط.