
أشرف أمين
منذ إعادة إحياء مجلس الشيوخ بعد التعديلات الدستورية التي أُجريت عام 2019، كممثل للغرفة الثانية في البرلمان، ظلّ دور المجلس من وجهة نظر بعض القوى السياسية محدودًا مقارنة بتوقعاته، فقد حددت القوانين المنظمة لـ مجلس الشيوخ “مثل قانون 141 لسنة 2020” اختصاصاته بطريقة تجعله غالبًا “استشاري / رقابي / مراجِع” وليست “تشريعية كاملة” كما هي في بعض أنظمة الغرفتين.
لكن في السنوات الأخيرة تصاعدت أصوات الأحزاب التي تدعو إلى تعديل دستوري، يمنح المجلس صلاحيات موسعة، لتفعيل دوره التشريعي والرقابي، وتعزيز تمثيله ومكانته في النظام السياسي، وهناك من يرون أن النظام أحادي الغرفة “مجلس نواب فقط” لا يكفي لتمثيل التنوع المجتمعي، خاصة في دولة كبيرة ومتنوعة مثل مصر؛ لذا فإن الغرفة الثانية عند منحها صلاحيات حقيقية يمكن أن تكون رئة تشريعية إضافية تُراعي بُعد النظر، والتخصص، والمراجعة الدقيقة للقوانين الحساسة، وهذا الطرح أكّده تحليل لمجموعة باحثين بالدراسات السياسية حول جدوى الغرفتين في المجتمعات المعقدة.

التعديلات الدستورية/ القانونية المقترحة
تدور المطالب حول منح مجلس الشيوخ صلاحيات تشريعية ملزمة وليس استشارية فقط، خصوصًا في القوانين المكملة للدستور، القوانين المؤثرة على الحقوق والحريات، السياسات الوطنية، الاتفاقيات الدولية، والتشريعات الاقتصادية والاجتماعية، وأن يكون للشيوخ دور أكبر في مراجعة التشريعات قبل التصويت النهائي في مجلس النواب، خصوصًا القوانين الحساسة أو تلك التي تمس الدستور أو الحقوق الأساسية، ليس فقط إبداء رأي.
بالإضافة إلى توسيع صلاحيات المجلس الرقابية، بحيث لا يقتصر دوره على مراجعة القوانين أو الاتفاقيات، بل يمتد إلى متابعة التنفيذ، مراقبة السياسات العامة، وإبداء رأي في خطة التنمية، والميزانية، والقوانين الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز التمثيل المجتمعي داخل الشيوخ لضمان تمثيل أوسع للشباب، والمرأة، والفئات المهمشة، والخبرات المتخصصة، ما يتطلب ربما زيادة عدد المقاعد أو إعادة توزيعها بشفافية وهو مطلب ضمن نقاشات بعض الأحزاب.
لماذا تُطرح هذه المطالب؟
بعد تأسيس المجلس في 2019 وإجراء أول انتخابات له عام 2020، لاحظ كثيرون أن الشيوخ غالبًا ليس له دور فعلي في صنع القرار أو التشريع، بعض القوانين تُمرّر عبر مجلس النواب فقط، وتمرر شؤون مهمة دون استشارة فعلية للشيوخ ما دفع إلى اتهام المجلس بأنه “ديكور تشريعي”.
في دولة كبُر فيها حجم التشريعات، وواجهت قضايا معقدة اقتصادية، تنموية، إصلاح تشريعي يرى المطالبون أن الغرفة الواحدة لا تكفي، وأن وجود جهة مراجعة “ثانية” يعطي مزيدًا من التوازن ويمنع التسرع أو الأخطاء القانونية، إضافة إلى ذلك، يثور جدل دائم حول التمثيل والعدالة في توزيع المقاعد، ما يدعم فكرة وجود مجلس يضبط التوازن الجغرافي والقطاعي.
أحزاب ليست بالضرورة من الأغلبية البرلمانية، ترى في توسعة صلاحيات الشيوخ فرصة للمشاركة الفعلية في التشريع والرقابة، وهو ما يوسع مجال التمثيل ولا يجعل البرلمان حكرًا على أغلبية واحدة، هذا من شأنه أن يعيد دور المعارضة الفعّال، ويمنح صوتًا لمن هم خارج الحلبة التنفيذية.

معوقات وتحديات
توسعة صلاحيات الشيوخ تتطلب غالبًا تعديل دستوري أو تغيير جوهري في العلاقة بين غرفتي البرلمان، وهو ما يستلزم توافقًا سياسيًا واسعًا، وربما استفتاء شعبي، في بلد مثل مصر، التعديل الدستوري ليس بالأمر السهل.
قد يؤدي وجود مجلس قوي ثاني إلى صراعات تشريعية، إبطاء سن القوانين، وتعطيل بعض الملفات، خاصة في أوقات الأزمات أو ضغط الإصلاح.
إذا لم يُحدّد بوضوح متى تتدخل الغرفة الثانية، ومتى يكون لها حق التصويت أو الفيتو أو مجرد رأي، فإن ذلك قد يخلق حالة من الضبابية السياسية، قد يُستغَل هذا في ممارسة التأجيل أو تعطيل الإصلاحات.
كيف تعاملت دول أخرى مع الغرفتين؟
في العديد من الدول ذات التجربة البرلمانية الغرفتين “مثل بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، اليابان، وغيرها”، الغرفة الثانية تُخصص لتوازن تشريعي، مراجعة خبراء، حماية حقوق الأقليات، مراجعة الاتفاقيات الدولية، وحتى التمثيل الإقليمي.
تُظهر التجارب أن الغرفتين تعملان بشكل تكاملي، النواب يمثلون الشعب مباشرة، بينما الشيوخ يمثل الخبرة، والخبراء، والمناطق، ويُوظَّف كفضاء لنقاش معمّق بعيد عن الضغوط الانتخابية، هذا النموذج عند نقله إلى مصر بحكمة يمكن أن يُساعد في تعزيز مؤسسات الدولة بدل تركيز السلطة في جهة واحدة.
من جانبه، قال علاء عبد النبي، عضو مجلس الشبوخ ونائب رئيس حزب الإصلاح والتنمية، إن توسيع صلاحيات مجلس الشيوخ ليس مجرد إضافة شكلية بل يُشكل مطلبًا دستوريًا لاستكمال نظام تشريعي متوازن، مؤكدًا أن وجود غرفة ثانية قوية يعني مراجعة متنقلة للتشريعات، وتخفيف الضغط على البرلمان، ما يؤدي إلى تشريعات أكثر دقة واستقرارًا.
وأضاف، أن في دول عديدة ما تشهدها مصر، الغرفة العليا “الشيوخ/مجلس الشيوخ” تتحوّل إلى جهة استشراف، مراجعة اتفاقيات دولية، ومتابعة سياسات التنمية وهذا لا يتناقض مع سيادة نواب الشعب، بل يكملها.
وأشار، إلى أن توسيع صلاحيات الشيوخ يؤكد مبدأ التمثيل الموسع ليس فقط عن طريق انتخاب النواب، بل أيضًا بتمثيل الخبرات والمناطق المتنوعة، في المجلس الواحد، أحيانًا الضغوط الانتخابية تُنشّط صفقات سياسية سريعة؛ لكن الشيوخ يمنح صيغة هدوء ومراجعة بعيدة عن ضغوط الانفعالات، متابعًا:” إذا حدث تعديل دستوري، يجب أن يكون برلمان الشيوخ قادرًا على إبداء رأي ملزم أو حتى حق الفيتو في بعض القوانين المصيرية القوانين الاقتصادية، الحقوقية، أو الاتفاقيات الدولية، هذا يعزز التوازن ويجعل القرار أكثر مسؤولية”.
وأوضح المهندس حسام علي، النائب الأول لرئيس حزب الوعي، أن من مصلحة الأحزاب الصغيرة والمتوسطة أن يكون الشيوخ قوة مضادة ليس معارضة من أجل المعارضة، بل رقابة حقيقية وخيار تمثيلي للأقلية، التعديل الدستوري سيمنحنا فرصة دخول المشهد التشريعي بكرسي إضافي وبدون مخاطر كبيرة مقارنة بالنواب.
وأضاف “علي”:” أننا لا نريد أن يكون الشيوخ فقط مجلسًا للأسماء الكبيرة أو أصحاب العلاقات، بل يجب أن يفتح باب التمثيل للخبراء، للمرأة، للشباب، ولمن لديهم برامج واضحة، هذه الوسيلة إذا ما استُغلت صح ستقوّي التعددية وتحمي الديمقراطية”، مشيرًا إلى أن توسيع صلاحيات الشيوخ قد يساعد في حماية حقوق المواطِنين، إذا أُرفِق بآليات شفافية ومساءلة حقيقية، كما أن الفيتو أو المراجعة على القوانين يتيح الفرصة لمراجعة بنود قد تؤثر على الحريات أو الحقوق الاجتماعية قبل التصديق النهائي”.
وتابع:” لكن المهم ألا يكون المجلس مجرد واجهة، يجب أن تُضمن مشاركة المجتمع المدني من خلال لجان رقابية، نشر سجلات التصويت، وإتاحة فرص للحوار العام قبل إقرار القوانين، دون ذلك، قد يكون الشيوخ تكرارًا لنفس المركزية بنوع جديد”.