“لسان الوزراء”.. تصريحات أطاحت بمسئولين خارج الكرسي

دكتور مكاوي: يجب استعانة المسئول بمتحدث رسمي مؤهل لمخاطبة الرأي العام

أثارت تصريحات إعلامية لعدد من الوزراء موجات واسعة من الغضب والجدل، إذ اعتبرها الكثير منفصلة عن واقعهم اليومي، بل وتحمل إهانات في بعض الأحيان. وتأتي كلمات صادرة من مسئوليين حكوميين، تحمل استهانة بالظروف المعيشية الصعبة، وتضيف ضغائن وطاقات سلبية لهم، مما تزيد من حالة الاحتقان في الشارع المصري.

ورغم محاولات التبرير أو التوضيح في بعض الأحيان إلا أن تداعيات تلك التصريحات لن تمر دائما بسلام عليهم، بل تسببت في الإطاحة بهم من مناصبهم.

رغيف العيش يشعل الجدل

 كان من أبرز هذه التصريحات، ما صدر عن ضياء رشوان وزير الدولة للإعلام، بعد حديثه عن القدرات الشرائية للحد الأدنى للأجور في مصر، مقارنة بالوضع في فرنسا، والتي قوبلت بانتقادات واسعة بكونها تقدم مقارنة غير واقعية تتجاهل الفروق الكبيرة في مستويات الدخل وتكاليف المعيشة.

حيث قال أن الحد الأدنى للأجور في مصر البالغ 7 آلاف جنيه، يمكن المواطن من شراء 35 ألف رغيف خبز مقارنة بـ 1500 رغيف فقط للمواطن الفرنسي، بالإضافة إلى إلى فروقات الوزن، مؤكدا أن دعم الخبز في مصر يمثل عمود الخيمة للأمن الغذائي المصري.

لا تراجع عن زيادة أسعار المترو

وفي سياق متصل، أثار الفريق كامل الوزير وزير النقل والمواصلات، جدلا حول إمكانية تخفيض تذكرة المترو، حال تراجع أسعار الوقود، حيث قال “تذكرة المترو مش هتنزل حتى لو سعر السولار انخفض، لأن عندى عجز 4 مليارات جنيه، اللى بيطلع ممكن ينزل بس فى حاجات ميكونش تعانى من عجز”.

تصريحات الوزير أثارت غضبا في ظل ظروف اقتصادية حرجة، واعتماد ملايين المواطنين يوميا على المترو دون أي تحسن في مستوى الدخل.

أزمات سابقة للوزراء

واجه الدكتور علي المصيلحي وزير التموين الراحل انتقادات متكررة، سواء داخل البرلمان أو عبر وسائل الإعلام بسبب تصريحاته المتجاهلة لمعاناة المواطنين بل والاستهزاء بها، ففي داخل مجلس النواب واجه الوزير انتقادات حادة من الأعضاء، متهمين إياه بالفشل في ضبط الأسواق والتقاعس ومحاباة التجار، متنصلا منها بتوجيهها لجهات أخرى قائلا: “”وأنا مالي مش أنا المسئول دي الحكومة”.

كما انتشر له فيديو أخر يجمعه بمداخلة هاتفية بالإعلامي أحمد موسى خلال أزمات البصل والسكر، حيث وجه له الحديث “الناس زعلانة من حضرتك جامد”، فأجاب بنعتذر لها جامد، ما أدت إلى غضب شعبي واسع بسبب الاستخفاف واللامبالاة التي تتعامل بها الوزارة مع أزمات الشعب.

لم تكن هذه الموجة من الجدل جديدة، إذ سبق أن أثارت تصريحات لعدد من المسئولين السابقين أزمات مماثلة، حيث أثارت تصريحات وزير العدل الأسبق أحمد الزند، غضب شعبي واسع من سياسيين وإعلاميين ورواد السوشيال ميديا وحملات ضده وزير العدل، حيث قال الزند نصًا “إن شاء الله يكون نبي عليه الصلاة والسلام.. استغفر الله العظيم يارب.. المخطئ أيا كان صفته.. طب ما القضاة بيتحبسوا.. أنا لا أدخل هذه المنطقة وأقول سجن صحفي أو سجن متهم أنا أقول سجن متهم”.

وكانت  لتصريحات المستشار محفوظ صابر، وزير العدل الراحل، بشأن ابن عامل النظافة لن يصبح قاضيا، نصيبا أكبر من الغضب الشعبي تجاه تصريحات المسئوليين، حيث كانت مخالفة صريحة لمبادي العدالة الاجتماعية وتوزيع الفرص، رغم أن الجميع يعلم أنها الحقيقة المرة والواقع الصادم.  .

خطاب إعلامي واعٍ

مع النظر للكثير من مثل هذه الوقائع المتكررة، نجد أنفسنا أمام إشكالية أعمق تتعلق بلغة خطاب المسئوليين الحكوميين ومدى إدراكهم لمعاناة المواطنين الحقيقية، مما يحتم تبني خطابا أكثر وعيا ودقة يسهم في بناء الثقة وليس توسيع الفجوة، حيث تعتبر هذه التصريحات عامل مؤثر في الرأي العام قد تهديء الأزمات أو تشعلها.

في هذا الصدد، أشار عميد كلية الإعلام الأسبق الدكتور حسن مكاوي، إلى أن موجة من الجدل جديدة بشان تصريحات المسئولين ليست بأمر جديد،  إذ سبق أن أثارت تصريحات لعدد من المسؤولين السابقين أزمات مماثلة، مضيفاً أن تصريح وزير الدولة للإعلام غير موفق شكلا أو موضوعا، إذ أفحم نفسه بالدفاع عن الحكومة بدون داع فهو وزير للدولة ككل، ومهمته الأساسية وضع يضع سياسة إعلامية استراتيجية للرد على الادعاءات المغرضة من الخارج، وتقديم صورة ذهنية إيجابية عن الدولة المصرية، فضلا عن وضع سياسات يمكن تمريرها إلى وسائل الإعلام المختلفة يما يحقق الصالح القومي للدولة المصرية، معتبرا أن تحمله دور الدفاع عن الحكومة يعد خطا مهنيا جسيما، “كنت أتمنى من الوزير إلا يفحم نفسه في مثل هذه الأمور، لأنها بعيدة عن عمله الأساسي فهو ليس متحدثا رسميا باسم الحكومة”.

وفيما يتعلق المعايير التي يجب أن تحكم ظهور المسئولين في وسائل الإعلام، أكد أستاذ الإعلام إذا كان الوزير لا يجيد التعامل مع الإعلام والجمهور، فيجب أن يكون لكل وزارة متحدث رسمي مدرب ومؤهل، وعلى دراية كاملة بكل كبيرة وصغيرة عن الوزارة التي ينتمي إليها ويكون منوط بـه تقديم التصريحات أو الإجابة على الاستفسارات الخاصة بالوزارة، وأن يكون حلقة ربط بين الوزارة وسياساتها وأهدافها وما ترغب في تحقيقه والإنجازات التي تحققت، ومن جانب أخر ينقل إلى الوزارة هموم واحتياجات الجماهير التي تتعامل مع هذه الوزارة، مشيرا أنه “للأسف هذا لا يحدث في الواقع حيث أن متحدثين الوزرات لا يلمون بكل تفاصيل عمل وزاراتهم”.