
كتب:-إبراهيم العجمي
في الوقت الذي تواجه فيه صناعة السينما في مصر تحديات متراكمة تتعلق بارتفاع تكاليف الإنتاج، وتزايد أعباء التشغيل، إلى جانب تراجع القوة الشرائية للجمهور، جاء قرار مجلس الوزراء بشأن الإغلاق المبكر لدور العرض السينمائي في تمام الساعة التاسعة مساءً، ليضيف عبئًا جديدًا وثقيلاً على كاهل صناعة تعاني بالفعل من ضغوط متزايدة، ما يفتح الباب أمام موجة جديدة من الخسائر التي قد تهدد استقرار السوق السينمائي بشكل غير مسبوق.
وكشف عدد من العاملين في القطاع السينمائي، من موزعين ومنتجين وأصحاب دور عرض، أن القرار تسبب في تراجع حاد وملحوظ في إيرادات شباك التذاكر، حيث سجلت نسب الانخفاض أرقامًا مقلقة تراوحت بين 40% و90%، وهي نسب تعكس حجم الضربة التي تلقتها الصناعة في فترة زمنية قصيرة منذ بدء تطبيق القرار.
ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى أن الحفلات الليلية، خاصة تلك التي تبدأ بعد الساعة التاسعة مساءً، تمثل النسبة الأكبر من إيرادات دور العرض، إذ تعد فترة الذروة التي يقبل خلالها الجمهور بكثافة على مشاهدة الأفلام، سواء في أيام الأسبوع أو خلال عطلات نهاية الأسبوع، ما يجعلها العمود الفقري للعوائد الاقتصادية لصناعة السينما.
ورصدت بيانات غير رسمية من داخل السوق أمثلة أكثر وضوحًا على هذا التراجع الحاد، حيث واصل فيلم “برشامة” تصدر شباك التذاكر، محققًا يوم الأحد إيرادات بلغت 2 مليون و491 ألفًا و753 جنيهًا، إلا أن هذه الأرقام جاءت رغم انخفاض حاد في إيراداته بنسبة وصلت إلى 89.26% مقارنة بالأيام السابقة، وهو تراجع يعكس بشكل مباشر تأثير غياب حفلات السهرة التي تمثل ذروة الإقبال الجماهيري، كما بلغ عدد التذاكر المباعة للفيلم 17 ألفًا و308 تذاكر فقط، وهو رقم يقل بشكل ملحوظ عن معدلاته السابقة.

أما في المركز الثاني، فجاء فيلم “إيجي بيست” بإيرادات بلغت 539 ألفًا و381 جنيهًا، مسجلًا انخفاضًا كبيرًا بنسبة 92.98%، مقابل بيع 4 آلاف و383 تذكرة، في مؤشر واضح على حجم الانكماش الذي أصاب السوق السينمائي خلال أيام قليلة من تطبيق القرار.
وأشار ابرز العاملون في الصناعة إلى أن الخسائر لا ترتبط فقط بتراجع عدد التذاكر المباعة، بل تمتد لتشمل تقليص عدد الحفلات اليومية بشكل عام، نتيجة ضيق الإطار الزمني المتاح للعرض، ما يؤدي إلى تقليل فرص تحقيق الإيرادات، خاصة في أيام العطلات التي كانت تعتمد بصورة رئيسية على العروض المتأخرة.
كما أوضحوا أن هذا الوضع انعكس بشكل مباشر على خطط طرح الأفلام الجديدة، حيث اضطرت بعض شركات الإنتاج إلى إعادة النظر في مواعيد طرح أعمالها السينمائية، بل وتأجيل عرض بعضها، تخوفًا من تحقيق خسائر مالية كبيرة في ظل غياب فترات الذروة المسائية التي يعتمد عليها السوق لتحقيق التوازن بين التكلفة والعائد.
وحذر متخصصون من أن استمرار هذه الإجراءات دون إيجاد بدائل أو حلول مرنة قد يؤدي إلى مزيد من التراجع في حجم الإنتاج السينمائي خلال الفترة المقبلة، بما يهدد استقرار السوق ويؤثر سلبًا على آلاف العاملين في مختلف قطاعات الصناعة، بدءًا من الفنيين والعاملين بدور العرض، وصولًا إلى صناع الأفلام من كتاب ومخرجين ومنتجين.
مبادرات من داخل الصناعة لمحاولة احتواء الأزمة
وفي محاولة للتعامل مع تداعيات القرار، طرح المنتج والمخرج كريم السبكي مبادرة عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، لاقت تفاعلًا واسعًا داخل الوسط الفني وخارجه، باعتبارها محاولة لإيجاد حلول عملية تقلل من حجم الخسائر.
وأوضح السبكي أن قرار غلق السينمات والمولات في تمام الساعة التاسعة مساءً سيكون له تأثير سلبي كبير على صناعة السينما، مشيرًا إلى أن الجزء الأكبر من إيرادات الأفلام يعتمد بشكل أساسي على حفلات المساء.
واقترح إعادة تنظيم مواعيد العروض، بحيث يتم الاكتفاء بثلاث حفلات فقط خلال اليوم، مع التركيز على الفترات الأكثر إقبالًا من الجمهور، خاصة الفترات المسائية، بهدف تعويض جزء من الخسائر الناتجة عن تقليص ساعات التشغيل.
وأكد أن استمرار الوضع الحالي دون مرونة في التطبيق أو تعديل في آليات العرض قد يؤدي إلى خسائر ضخمة للمنتجين ودور العرض، وربما يدفع بعض الأعمال إلى الخروج المبكر من السينمات نتيجة ضعف الإيرادات.
ومن جانبه، أعلن الفنان تامر حسني دعمه لهذه المبادرة، معتبرًا أن تقليل عدد الحفلات والتركيز على توقيتات محددة قد يمثل حلًا عمليًا في ظل الظروف الحالية، مشددًا على أهمية تعاون جميع أطراف الصناعة لتجاوز هذه الأزمة بأقل خسائر ممكنة.
وأضاف أن صناعة السينما تمر بالفعل بمرحلة دقيقة، وأن أي قرارات تنظيمية يجب أن تراعي طبيعة السوق وسلوك الجمهور، خاصة أن الحفلات المسائية تمثل النسبة الأكبر من الإيرادات، وهو ما يجعل المساس بها تأثيره مباشر وسريع على حركة السوق.
اعتراضات من كبار المنتجين… وتحذيرات من انهيار الإيرادات
وفي السياق ذاته، أبدت الفنانة والمنتجة إسعاد يونس اعتراضها الشديد على قرار الإغلاق المبكر، خاصة في ظل امتلاكها لسلسلة دور عرض “رينسانس”، مؤكدة أن القرار لا يراعي طبيعة النشاط السينمائي الذي يعتمد بشكل أساسي على العروض المسائية.
وأوضحت أن توقيت الغلق يربك جداول عرض الأفلام، ويحرم دور السينما من أهم حفلاتها التي تمثل ذروة الإقبال، ما يؤدي إلى تراجع حاد في الإيرادات قد يصل إلى مستويات تهدد استمرارية التشغيل.
كما أشارت إلى أن القرار كان يجب أن يراعي خصوصية صناعة السينما، باعتبارها نشاطًا ثقافيًا وترفيهيًا له طبيعة مختلفة عن باقي الأنشطة التجارية، مطالبة بضرورة إعادة النظر فيه أو استثناء دور العرض السينمائي من تطبيقه.
وفي هذا الإطار، انضمت إسعاد يونس إلى مطالبات غرفة صناعة السينما بضرورة إيجاد حلول تضمن استمرار عمل دور العرض، دون الإضرار بالأهداف العامة للدولة.

غرفة صناعة السينما تدق ناقوس الخطر
على الجانب الآخر، دق المنتج هشام عبد الخالق، رئيس غرفة صناعة السينما، ناقوس الخطر، مؤكدًا في تصريحات صحفية أن تداعيات القرار قد تكون “أعمق وأخطر مما يتخيله البعض”، خاصة في ظل تزامنها مع أزمات إقليمية أثرت بالفعل على حركة التوزيع الخارجي للأفلام المصرية.
وشدد عبد الخالق على أن العاملين في صناعة السينما يدعمون بشكل كامل قرارات الدولة الخاصة بترشيد استهلاك الكهرباء، إدراكًا لحجم التحديات الاقتصادية العالمية، إلا أن الهدف ليس الاعتراض على القرار في حد ذاته، بل البحث عن حلول تحقق التوازن بين المصلحة العامة واستمرارية صناعة حيوية يعمل بها آلاف المصريين.
وقال: “نحن في مقدمة الداعمين لقرارات الدولة في مواجهة التحديات الاقتصادية، لكن ما نطمح إليه هو إيجاد حلول عملية تحقق نفس الهدف دون تكبيد الصناعة خسائر فادحة قد يصعب تعويضها.”
تأجيلات لعروض سينمائية تجنباً للخسائر
وفي انعكاس مباشر لحالة القلق التي تسيطر على السوق السينمائي، قرر عدد من الفنانين وصناع الأفلام تأجيل طرح أعمالهم خلال الفترة الحالية، تفاديًا للخسائر المادية المحتملة الناتجة عن تراجع الإقبال على دور العرض عقب تطبيق قرار الإغلاق المبكر.
وكشفت مصادر من داخل الصناعة أن من بين الأفلام التي تقرر تأجيلها فيلم «القصص» بطولة نيللي كريم وأمير المصري، إلى جانب فيلم «إذ ما» الذي يجمع بين سلمى أبو ضيف وأحمد داود، حيث فضّل صناع هذه الأعمال الانتظار لحين استقرار الأوضاع وعودة التوازن إلى السوق، بما يضمن تحقيق فرص عرض أفضل وإيرادات تتناسب مع حجم الإنتاج.
ويعكس هذا الاتجاه حالة من الحذر المتزايد داخل الوسط الفني، خاصة في ظل غياب رؤية واضحة بشأن مدة استمرار الإجراءات الحالية، وتأثيرها المباشر على فترات الذروة التي يعتمد عليها المنتجون في استرداد تكاليف الإنتاج وتحقيق الأرباح.
تساؤلات حول المشهد
تعكس الأزمة الحالية حالة من التوتر بين ضرورات الإدارة الاقتصادية للدولة، ومتطلبات الحفاظ على استمرارية الصناعات الثقافية، وفي مقدمتها صناعة السينما، التي تمثل أحد أبرز أدوات القوة الناعمة المصرية، وفي ظل استمرار التراجع الحاد في الإيرادات، والذي وصل في بعض الحالات إلى ما يقرب من 90%، وغياب حلول واضحة حتى الآن، يبقى السؤال مطروحًا بقوة داخل الوسط الفني.. هل تنجح المقترحات المطروحة في إنقاذ الموسم السينمائي، أم أن الصناعة مقبلة على موجة جديدة من الانكماش قد تعيد تشكيل خريطتها بالكامل لصالح المنصات الرقمية؟