
ـ العمالة الغير منتظمة وأصحاب الأنشطة الليلة يتحملون أثار قرار الإغلاق المبكر
أثار قرار الحكومة المصرية بإغلاق المراكز التجارية والمطاعم في تمام الساعة التاسعة مساءً في جميع محافظات الجمهورية موجة واسعة من الغضب الشعبي، بعدما انعكس القرار سلبًا على الأوضاع الاقتصادية للمواطنين، خاصة العاملين في الاقتصاد الغير رسمي والأنشطة المرتبطة بالفترة المسائية، وأيضا العمالة غير منتظمة، ما أدى إلى حالة من الركود وتراجع الإيرادات لدى عدد كبير من أصحاب الأعمال والعمالة اليومية.

وتشير التقديرات الرسمية للفترة 2024-2025 إلى تسجيل نحو 1.2 مليون عامل غير منتظم في قاعدة بيانات وزارة العمل المصرية، مع استمرار الجهود الحكومية لزيادة أعداد المسجلين، إلا أن تقديرات غير رسمية ودراسات اقتصادية تشير إلى أن الحجم الحقيقي للعمالة غير المنتظمة في مصر، ضمن القطاع غير الرسمي، يتجاوز عدة ملايين من العاملين.
ومن خلال هذه الإحصائية، يتبين بوضوح أن المتضررين من هذا القرار قطاعا كبيرا يصعب حصر أعدادهم، ونستعرض خلال هذا التقرير كيف تأثر المواطنين العاملين بمجالات مختلفة من هذا القرار.
المحال التجارية والإيجارات المرتفعة

على أرض الواقع، بدأت آثار القرار تظهر بوضوح على أصحاب المشروعات الصغيرة الذين يعتمد نشاطهم على ساعات العمل المسائية، ما يضطرهم إلى تسريح العمالة.
يعلق يوسف صاحب الـ 28 عاما ومستأجر لأحد المحلات التجارية بالتجمع الخامس قائلا “أن الوضع سيء للغاية، واضطريت تسريح اثنان من العمال لحد دلوقتي، حيث أن تكلفة العمالة تصل إلى 25 ألف جنيها، والإيرادات في ظل القرار ده مش هتغطي تكاليف الإيجارات والتشغيل”.
وتابع بلهجة يغلب عليها الإحساس بتأنيب الضمير ” يعز عليا أن أتخلى عن حد من اللي شغالين عندي ولكن ما باليد حيلة، هجيب منين، ولازم الحكومة تشوف حل خاصة أنها أزمة ليست فردية”.
تحسين الدخل والعمل الليلي

ولم تقتصر تداعيات القرار على أصحاب المحال التجارية فحسب، بل امتدت لتشمل قطاعات واسعة من العاملين في الاقتصاد الغير رسمي، بل طالت أيضًا العاملين في خدمات النقل الذكي الذين يعتمدون على حركة الشوارع ليلًا كمصدرا لتحسين الدخل.
يقول مرسي عزت (43 عاما) أنه يعمل صباحا بأحد الشركات، وفي الفترة المسائية كان يعمل كابتن على أحد تطبيقات السيارات الذكية، من أجل تحسين دخله في ظل تدهور الأحوال الاقتصادية التي يشهدها الجميع. وأضاف “بخلص شغلي في الشركة الساعة 7 أرجع البيت واتغدى وأبدأ شغل على عربيتي من الساعة 9 حتى الساعة 2 صباحا، النهاردة بعد قرار الغلق بخلص شغل وأرجع البيت هشتغل امتى والشوارع فاضية ومفيش ركاب وكل المحلات مقفولة”.
وأعرب عن تخوفه من استمرار الوضع ” لو عرفت أوفي التزاماتي الشهر ده مش هقدر أوفيها الشهر الجاي لو استمر الوضع ده”.

من جانبه، قال حسين، 29 عاما، من منطقة حدائق القبة، وهو متزوج ولديه طفل وينتظر مولودًا جديدًا، إن عمله الأساسي كسائق عبر أحد تطبيقات النقل الذكي، موضحا أن دخله تراجع بشكل كبير منذ تطبيق قرار الإغلاق المبكر.
وتابع “من أول يوم من القرار والإيراد قل للنص تقريبا، وده مصدر دخلي الوحيد، خصوصا إن الرحلات الطويلة كانت أغلبها في الفترة الليلية”.
أيام كورونا وحظر التجوال

امتد أثار القرار إلى أصحاب المشاريع الصغيرة، وعلقت رانيا أحد الفتيات التي تعمل على عربة قهوة “أن الشوارع المظلمة وغلق المحلات ذكرها بأيام كورونا وحظر التجوال”.
وتابعت “أيام كورونا كنا مكتئبين ومفيش شغل ومفيش فلوس، وده اللي بيحصل دلوقتي، أنا بشتغل على عربية قهوة والمعروف أنه شغلنا كلنا بالليل، وأنا مش عارفه هكفي احتياجاتي منين، الناس كلها متأثرة مش لوحدي وما صدقنا الجو يدفي عشان نشتغل”.
التوكتوك ومشاوير الليل

وفي السياق ذاته يعاني أصحاب المواصلات غير الرسمية “التكاتك”، حيث يعد التوكتوك الوسيلة الأكثر انتشارا في القرى والمناطق الشعبية ،ويزداد الاعتماد عليها ليلا.
ويوضح أبو يوسف صاحب توكتوك أنه فترة ضغط الشغل بتكون بالليل أكتر، وأنا عندي 3 أطفال وأمهم هكفي احتياجاتهم منين، حتى مشاوير الطلبات اللي كنت بعملها لناس بالليل مش موجودة، ياريت يشوفوا حل واحد زيي ما عندوش مصدر دخل تاني”.
البحث عن بدائل
وفي إطار هذا الكم الهائل من الضرر اللاحق بملايين المصريين يبقى السؤال، هل هذا القرار هو الحل الوحيد للأزمة أم أن هناك حلولا بديلة؟

ويجيب عن هذا التساؤل الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، قائلًا إن القرار في جوهره لا يمثل حلًا للأزمة بقدر ما يعد ترحيلًا لها.
وأشار “النحاس” في حديثه لـ«ليبرالي» إلى أن الحكومة لن تتمكن من تطبيق القرار بشكل كامل، خاصة في المناطق الشعبية والشوارع الجانبية. موضحًا أن محاولة فرض السيطرة الكاملة قد تكلف الدولة إنفاقًا أكبر مما تسعى إلى توفيره من خلال القرار، مضيفا أن المناطق التي يمكن إحكام الرقابة عليها لا تتجاوز نحو 20% من إجمالي المناطق في مصر.
كما حذر من أن القرار قد يؤدي إلى تسريح نحو 40% من العمالة غير المنتظمة، فضلًا عن تراجع الإيرادات بنسبة لا تقل عن 15%، وذلك في ظل ظروف معيشية صعبة يتكبدها المواطن، الذي بات بحاجة إلى كل جنيه لمواجهة أعباء الحياة المتزايدة.
وأكد أن هذا التوجه في التعامل مع الأزمة لن ينجح في تحقيق نتائج حقيقية، ولا يكمن في إجراءات مؤقتة وترشيد استهلاك كهرباء وبنزين، بل في البحث عن بدائل وسياسات اقتصادية أكثر فاعلية، مستشهدا بالأزمة العالمية في عام 2008، حين وصل سعر برميل البترول إلى نحو 150 دولارًا، بينما يدور الحديث اليوم عن وصوله إلى نحو 100 دولار فقط، رغم أن الأزمة في جوهرها عالمية وليست محلية تخص مصر وحدها، ولكن لجنة السياسات في الحزب الوطني كانت في السابق بمثابة العقل المخطط، بينما كانت الحكومة تتولى التنفيذ، ولذلك لم نتأثر.
ولفت إلى وجود حلول بديلة يمكن العمل عليها، مشيرًا إلى السياسة التي كان يسعى إلى تنفيذها وزير البترول الأسبق سامح فهمي خلال عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، والتي كانت تقوم على التوسع في إنتاج الديزل والبيوديزل، موضحا أن مصر تمتلك نحو مليوني طن من المواد التي يمكن أن تسهم في تصنيع البنزين ومشتقاته.
كما أوضح أن المشكلة الحقيقية ليست في وجود نقص في البترول، وإنما في عدم قدرة الحكومات على تلبية متطلبات الشعوب، وهو ما يخلق الأزمات الاقتصادية، موضحا أن البترول ليس نادرا لكن المشكلة تكمن في أن تكلفته أصبحت أعلى من قدرة مصر على شرائه.
وأكد أن مصر لا تعاني في الأساس من مشكلة طاقة بقدر ما تواجه مشكلة في الإدارة، منتقدا أداء الحكومة الحالية، التي تتعامل مع الملفات الاقتصادية بعقلية إدارية دون امتلاك رؤية واضحة لإدارة الأزمات، وقد تصنع أزمة جديدة.