في عصر العمل عن بُعد.. هل يوفر المنزل في استهلاك الكهرباء؟

نهاد شعبان

خلال الفترة الأخيرة لم يعد العمل عن بُعد مجرد رفاهية أو خيار استثنائي، بل تحول إلى نمط عمل رئيسي في العديد من القطاعات المختلفة، خاصة بعد تطبيقه خلال جائحة كورونا، ومع هذا التحول يكون السؤال الأهم هل يساهم العمل من المنزل في تقليل استهلاك الطاقة، أم أنه ينقل العبء فقط من المكاتب إلى المنازل؟، ففي الظاهر، يبدو أن العمل عن بُعد حل اقتصادي وبيئي في آنٍ واحد، حيث أن غياب التنقل اليومي يقلل من استهلاك الوقود، ويخفف الضغط على وسائل النقل، ما يعني تقليل الانبعاثات الكربونية، وفي مدينة مزدحمة مثل القاهرة حيث يقضي الموظفون ساعات طويلة في الزحام، يمكن أن يؤدي العمل من المنزل إلى خفض ملحوظ في استهلاك البنزين والسولار، وهو ما ينعكس إيجابًا على البيئة والاقتصاد.

نقل الاستهلاك بدلاً من تقليله
لكن الصورة ليست بهذه البساطة، فعندما يعمل الموظف من المنزل، فإنه يستخدم الكهرباء طوال اليوم، في التكييف، والإضاءة، وأجهزة الكمبيوتر، والإنترنت، في المقابل، كانت هذه الطاقة تُستهلك سابقًا داخل مقار الشركات، التي غالبًا ما تعتمد على أنظمة مركزية أكثر كفاءة في التبريد والإضاءة، ومع حلول فصل الصيف بما أن عدد كبير من الأسر يعتمدون على أجهزة التكييف، قد يؤدي العمل من المنزل إلى زيادة استهلاك الكهرباء المنزلية بشكل كبير، فبدلًا من تشغيل تكييف واحد في مكتب مشترك، يتم تشغيل عدة أجهزة في منازل مختلفة، وهو ما قد يرفع إجمالي الاستهلاك.

كفاءة المكاتب مقابل المنازل
المباني الإدارية الحديثة غالبًا ما تكون مصممة بكفاءة طاقة أعلى، مع استخدام أنظمة ذكية للتحكم في الإضاءة والتكييف، وفي المقابل، لا تتمتع معظم المنازل بنفس مستوى الكفاءة، سواء بسبب قدم المباني أو ضعف العزل الحراري، وهذا الفرق يُعني أن الطاقة المستخدمة لتبريد أو تدفئة منزل قد تكون أعلى من تلك المستخدمة في مكتب مجهز بشكل جيد، وبالتالي، فإن العمل عن بُعد قد لا يقلل الاستهلاك الكلي للطاقة، بل قد يزيده في بعض الحالات.

تأثير جزئي على الشبكة الكهربائية
من ناحية أخرى، يمكن أن يساعد العمل عن بُعد في تخفيف الضغط على الشبكة الكهربائية خلال أوقات الذروة في المناطق التجارية، لكنه في المقابل قد يزيد الضغط في المناطق السكنية، وهذا التحول في نمط الاستهلاك يتطلب إعادة توزيع الأحمال الكهربائية، وهو تحدٍ أمام شركات الكهرباء في مصر.

الفاتورة على من؟

أحد الجوانب المهمة أيضًا هو من يتحمل تكلفة الطاقة، في نظام العمل التقليدي، تتحمل الشركات فاتورة الكهرباء، بينما في العمل عن بُعد تنتقل هذه التكلفة إلى الموظف، وهذا يفتح بابًا للنقاش حول العدالة الاقتصادية، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الكهرباء.

والحل هنا قد لا يكون في تبني العمل عن بُعد بشكل كامل أو رفضه، بل في اعتماد نموذج مشترك يجمع بين العمل من المكتب والمنزل، وهذا النموذج يمكن أن يقلل عدد أيام التنقل، وفي نفس الوقت يحد من الزيادة الكبيرة في استهلاك الطاقة المنزلية، كما يمكن للشركات تشجيع استخدام الأجهزة الموفرة للطاقة، وتحسين كفاءة المباني السكنية، وتقديم حوافز للتحول إلى مصادر طاقة نظيفة مثل الطاقة الشمسية، خاصة في المنازل.