نهاد شعبان

“إفيهات” عابرة تحولت إلى “تريند”.. وممثلون سبقوا نجوم الصف الأول إلى ذاكرة الجمهور
في الوقت الذي تقاس فيه النجومية بعدد المشاهد وحجم الأدوار، تظهر استثناءات لافتة تغير كل القواعد، من أهمها ممثلون لم يظهروا سوى لدقائق، وربما في بعض المشاهد القليلة فقط، لكنهم استطاعوا أن يتركوا أثرًا لا يُمحى في ذاكرة الجمهور ونجحوا في أن يسبقوا نجوم الصف الأول إلى ذاكرة الجمهور ليثبتوا أن لحظة صادقة أو جملة ذكية قد تساوي بطولة كاملة، بل تتفوق عليها أحيانًا.

“إفيه” يسبق الفيلم كله
من أشهر المشاهد التي ظلت عالقة في أذهان الجمهور، جُملة الفنان لطفي لبيب في فيلم “عسل أسود” عندما قال بطريقته الساخرة:”إحنا شعب بنحب الفهلوة”، وهي جملة بسيطة لكنها تحولت إلى وصف شائع لحال المجتمع، وتُستخدم حتى اليوم في مواقف كثيرة.

وفي فيلم “الإرهاب والكباب”، قدم أحمد راتب مشهد الموظف الحكومي البسيط، الذي عبر بكلمات قليلة عن معاناة الملايين داخل المصالح الحكومية، ليصبح هذا المشهد من أكثر اللحظات صدقًا وتأثيرًا في تاريخ السينما، عندما قال:” ١٦ سنة قدام المحاكم ومخدش حقي، وف 90 يوم طارت رقبتي .. المحاكم عندينا إيديها خفيفة قوي وهي بتدي حكم بالسجن والإعدام وإيديها تقيلة قوي وهي بترجع الحقوق لأصحابها”.

ضحكة واحدة تكفي
الكوميديا كانت دائمًا أرضًا خصبة لنجاح “المشهد الواحد”، ففي فيلم “الناظر”، تألق محمد سعد في عدة مشاهد قصيرة داخل الفيلم، بإفيهاته السريعة وتعبيراته المبالغ فيها، ليصبح أحد أكثر الشخصيات المؤثرة التي يتذكرها الجمهور رغم قصر ظهوره في الفيلم.

كما لا يمكن تجاهل حضور الفنان عبد الله مشرف في العديد من الأعمال، حيث كان يظهر لدقائق، لكنه دائمًا ما يترك وراءه ضحكة طويلة، بفضل أسلوبه الخاص ونبرة صوته المميزة، كما أن هناك ممثلون ارتبطت وجوههم بذاكرة المشاهد رغم أنهم لم يكونوا أبطالًا مطلقين، مثل حسن حسني، الذي قدم عشرات المشاهد القصيرة في أفلام مختلفة، لكنه كان دائمًا عنصرًا أساسيًا في نجاحها، ونفس الأمر ينطبق على الفنان لطفي لبيب، الذي تخصص في الأدوار الثانوية، لكنه نجح في تحويل كل ظهور له إلى لحظة مميزة، سواء بجملة ساخرة أو موقف إنساني مؤثر.
ظهور السوشيال ميديا
مع انتشار السوشيال ميديا، عادت هذه المشاهد للحياة من جديد، حيث أن الكثير من الإفيهات القديمة أصبحت “ميمز” يتداولها الشباب يوميًا، مثل تعبيرات الغضب أو الدهشة التي قدمها ممثلون في مشاهد قصيرة، لكنها كانت صادقة وقريبة من الواقع، وهذه الظاهرة أعادت اكتشاف “أبطال المشهد الواحد”، ومنحتهم شهرة متجددة، حتى بين أجيال لم تشاهد الأعمال الأصلية.

الدراما التلفزيونية
وفي الدراما التلفزيونية، ظهرت نفس الظاهرة بوضوح في مسلسل “الأسطورة”، حيث قدم هادي الجيار مشاهد محدودة، لكنها كانت قوية ومؤثرة، خاصة في لحظات الصراع بين نجم العمل الفنان محمد رمضان وباقي الممثلين.

كما يعد الفنان الراحل يوسف عيد، الشهير بـ “بوب مارلي”، نموذجًا مثاليًا للممثل الذي ترك بصمة خالدة بأدوار ثانوية محدودة المشاهد، حيث اشتهر بعباراته التلقائية الكوميدية، خاصة في أفلام مثل “التجربة الدنماركية” و”الناظر”، وحول المشاهد البسيطة إلى مركز جذب للجمهور بفضل خفة ظله العالية، ولعل ما يجمع كل هذه الأمثلة هو “اللحظة الصادقة”، فالمشاهد لا يتذكر طول الدور، بل يتذكر الإحساس الذي وصله، قد تكون جملة بسيطة، نظرة، أو حتى رد فعل، لكنها إذا كانت حقيقية، تظل عالقة في الذهن، كما أن عنصر المفاجأة يلعب دورًا مهمًا، فالمشاهد لا يتوقع أن يتأثر بشخصية عابرة، مما يجعل تأثيرها أقوى، كما أن المفارقة هنا أن هؤلاء الممثلين رغم بقائهم في الهامش من حيث مساحة الدور، إلا أنهم أصبحوا في صدارة الذاكرة الجماهيرية، فبعضهم لم يحصل على بطولة مطلقة، لكنهم حصلوا على ما هو أهم وهو حب الجمهور واستمرارية الحضور.