
رغم ما يبدو على السطح من نجاح لافت لموسم أفلام عيد الفطر هذا العام، والذي سجل نحو 111 مليون جنيه بإجمالي حضور يقترب من 870 ألف مشاهد خلال أيام العيد، فإن قراءة أكثر عمقًا لهذه الأرقام تكشف عن مفارقة مقلقة تتعلق بطبيعة الجمهور وحجم الإقبال الحقيقي. فهذه الأرقام، وفق ما أعلنته تقارير الإيرادات المتداولة وتصريحات بعض الموزعين ودور العرض، تعكس نموًا ماليًا واضحًا، لكنها لا تعني بالضرورة أن السينما استعادت جمهورها.
الحقيقة أن الزيادة في الإيرادات ترتبط بشكل أساسي بارتفاع متوسط سعر التذكرة الذي وصل إلى نحو 130 جنيهًا، وهو ما يجعل الرقم الإجمالي يبدو أكبر مما هو عليه فعليًا من حيث عدد المشاهدين. فعندما نضع عدد الحضور في سياق تعداد سكاني يتجاوز 100 مليون نسمة، نجد أننا أمام أقل من واحد في المئة فقط من إجمالي الشعب، وهو ما يطرح تساؤلًا جادًا حول مدى جماهيرية السينما اليوم مقارنة بما كانت عليه في السابق.
مفارقة تكشف الأزمة.. ايرادات أكبر وجمهور أقل
وتتضح الصورة أكثر عند مقارنة هذا الموسم بمواسم قريبة، مثل عيد الفطر 2024 الذي حقق نحو 53.8 مليون جنيه بإقبال جماهيري وُصف حينها بالكبير، رغم أن أسعار التذاكر كانت أقل بكثير، وهو ما يرجح أن عدد المشاهدين كان أكبر نسبيًا من الوضع الحالي. هنا تتكشف المفارقة الأساسية، فالإيرادات تضاعفت تقريبًا، لكن الجمهور لم يتضاعف، بل يبدو أنه تراجع أو على الأقل لم ينمُ بنفس الوتيرة، ما يشير إلى أن السوق يتحرك ماليًا أكثر مما يتحرك جماهيريًا.
هذا التحول يقود إلى زاوية أكثر عمقًا تتعلق بالبنية الاجتماعية للجمهور، إذ تبدو الطبقة الوسطى، التي شكلت تاريخيًا القاعدة الأساسية لرواد السينما في مصر، في حالة انحسار واضح داخل قاعات العرض. فبعد أن كانت السينما جزءًا من نمط الحياة الطبيعي لهذه الفئة، كفسحة أسبوعية أو شهرية ميسورة التكلفة، أصبحت اليوم عبئًا ماليًا لا يستهان به، خاصة إذا تعلق الأمر بأسرة كاملة قد تتجاوز تكلفة خروجها عدة مئات من الجنيهات، وهكذا تتحول السينما تدريجيًا من نشاط جماهيري واسع إلى تجربة انتقائية تخص فئة قادرة ماديًا، بينما تنسحب منها الفئات التي صنعت ازدهارها لعقود.
ولا تبدو هذه القراءة مجرد تحليل رقمي بارد، بل تتقاطع مع ما يطرحه صناع السينما أنفسهم. فقد أشار المخرج عمرو سلامة إلى أن تكلفة خروج أسرة للسينما قد تصل إلى نحو 800 جنيه لساعتين فقط، متسائلًا عن جدوى التجربة في ظل الأوضاع الاقتصادية، ومشيرًا إلى أن ارتفاع الأسعار، إلى جانب سهولة مشاهدة الأفلام عبر القرصنة وضعف بعض الأعمال، كلها عوامل تدفع الجمهور للعزوف.

المنصات والقرصنة خصوم شباك التذاكر
وفي السياق ذاته، أقرت وزارة الثقافة المصرية بوجود تحديات حقيقية تواجه الصناعة، مع الإشارة إلى تراجع الإنتاج وتدهور بعض البنية التحتية، وهو ما دفع إلى طرح خطط لإعادة إحياء السينما وتطوير دور العرض، بحسب ما ورد في تقارير صحفية منها تغطيات «الشرق الأوسط» ومواقع أخرى حول خطة الوزارة لدعم وإحياء صناعة السينما في مصر.
ولا يمكن فصل هذا التراجع عن عوامل أخرى متداخلة، من بينها المنافسة الشرسة التي تفرضها المنصات الرقمية التي تتيح مشاهدة الأفلام بعد وقت قصير من عرضها، إلى جانب انتشار النسخ المصورة، فضلًا عن محدودية عدد الأفلام المعروضة وتراجع مستوى بعضها، بما لا يكفي لصناعة حالة جذب حقيقية تدفع الجمهور إلى خوض تجربة المشاهدة داخل السينما.
في المحصلة، لا تبدو الأزمة في أرقام الإيرادات التي تحققها الأفلام، بل في طبيعة هذه الإيرادات ومن يقف خلفها. فحين ترتفع الأرقام بينما يتقلص الجمهور، فإننا لا نكون أمام ازدهار حقيقي، بل أمام خلل هيكلي في السوق. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤل أكبر يتعلق بمستقبل السينما المصرية، وما إذا كانت قادرة على استعادة جمهورها الطبيعي، أم أنها تمضي تدريجيًا نحو التحول إلى نشاط ترفيهي محدود لا يعكس اتساع المجتمع الذي تنتمي إليه.