
رغم دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في الاتفاق الأمريكي الإيراني، عادت الضربات الإسرائيلية لتطال بيروت وجنوب لبنان في تصعيد هو الأعنف منذ أسابيع، وبينما تتزايد أعداد الضحايا، وسط محاولات من عدة أطراف وبخاصة الوسطاء أن يمتد حيز وقف إطلاق أو التهدئة إلى لبنان.
وبغض النظر عن النتائج الجارية لمحاولة وقف الاعتداءات من جانب إسرائيل تجاه لبنان، تُطرح عدة أسئلة أعمق، أولاً: هل تمهد هذه العمليات لاستعادة الدولة اللبنانية سلطتها، أم أنها تعيد تكريس دور حزب الله كفاعل رئيسي في المشهد ومستقبله؟.
وتثبت الحروب السابقة أنه لا يمكن نزع حزب الله بالغارات الجوية، كما أنه إذا خرجت إيران من حربها الحالية متماسكة سياسيًا، دون إيجاد حل لأذرعها في المنطقة، فستجد دائمًا السبيل لتمويل حزب الله ماليًا وعسكريًا لإعادة بناء بنيته التحتية، ومنذ اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان في نوفمبر 2024، تمكنت طهران من ضخ ما يقارب نحو مليار دولار أمريكي إلى حزب الله الذي استخدمها إعادة بناء ترسانته، وفق لمصادرإعلامية غربية.
ولا نخفي هنا أن إسرائيل لن تسكت على استمرار حزب الله بجوارها كقوة تهديد عسكري، خاصة بعد الضربات القوية التي وجها إليه الحزب في حربها الأخيرة مع إيران، والتي لن يقبل بها التوحش الإسرائيلي الحالي ، بفرض معادلة أمن حدود الشمالية بالقوة كما فعل في غزة.

لماذا لبنان الآن؟
يزعم “نتنياهو” أن الغارات الأخيرة استهدفت حزب الله الذي شرع في نقل مراكز قيادته إلى مناطق مدنية مكتظة بالسكان بعيدًا عن مراكزه التاريخية، على رأسها الضاحية الجنوبية، لتحسين إخفاؤها وحمايتها، وهو ما سبق أن زعمته تل أبيب بشأن حماس في غزة، ولكن يبقى ضخامة الهجوم وغياب الإنذار المسبق وعدم توافر تفاصيل عن بعض القتلى، على رأسهم يوسف حرشي نجل شقيق الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم ومستشاره الشخصي ـ ما يثير التكهنات بأن الهدف وراء تلك الغارات هو اغتيال قاسم نفسه سلف حسن نصر الله والذي اغتيل على يد إسرائيل في 2024.
ومع عدم اكتمال مفاوضات وقف إطلاق النار التي أطلقها ترامب ومفاوضيه تركت مسألة حرب إسرائيل على حزب الله في لبنان معلقة كالقنبلة الموقوتة، وجاءت تلك الغارات رغم إعلان حزب الله أنه أبلغ بوقف إطلاق النار وأنه التزم به منذ الإبلاغ.

وقد ينذر استمرار الغارات الإسرائيلية برد من جانب إيران، خصوصًا مع تصريحات الرئيس الإيراني بيزشيكان بأن الضربات الإسرائيلية على لبنان تعد انتهاكًا لاتفاق وقف إطلاق النار، وستفرغ المفاوضات من مضمونها، وعلى الرغم من أن لبنان خارج الاتفاق رسميًا ـ رغم إصرار كل من باكستان وطهران على أن الاتفاق يشمل لبنان وإنكار كل من إسرائيل والولايات ذلك ـ فمن المرجح أن ينظر للضربات الإسرائيلية على أنها تصعيد، ووفقًا لصحيفة “وول ستريت جورنال” أن إسرائيل لم تبلغ بالاتفاق إلا في اللحظة الأخيرة وأنها ليست راضية عنه، ما يجعل نتنياهو مصمم على انتهاج سياسة الأرض المحروقة، حتى لو وصل الأمر إلى فشل اتفاق وقف إطلاق النار.
كما تبرز الضربات الإسرائيلية على لبنان إلى مشكلة أعمق في العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية، فإصرار تل أبيب على أن لبنان ليست جزءًا من اتفاق وقف إطلاق النار، يكشف عن ثغرة رئيسية وهي محدودية قدرات واشنطن على إدارة حلفاؤها، فالقصف المستمر على لبنان قد يقوض اتفاق وقف إطلاق النار ويبقي الولايات المتحدة عالقة في صراع تسعى جاهدة للخروج منه.

اتساع الفجوة بين واشنطن وتل أبيب
ينبغي أن يضع “نتنياهو” في عين الاعتبار أن أي اتفاق أمريكي ـ إيراني قد يتضمن وقف الحرب على وكلاؤها في المنطقة، إلا أنه يسعى إلي تغييرات جذرية في شكل الحدود الإسرائيلية، حيث يسعي لضم جنوب نهر الليطاني كحدود جديدة مع لبنان، ما يجعل تصرفات إسرائيل في لبنان جريمة حرب.
ومع تصريحات رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بإعلان وقف إطلاق النار الفوري والذي يشمل لبنان، والذي خرج ونفاه أفيخاي أدرعي المتحدث العسكري الرسمي وقال بإن الحرب في لبنان مستمرة، وهو ما ردده مكتب نتنياهو، ومن وراءه ترامب ونائبه جيه دي فانس.
وتشمل مساعي نتنياهو ضمان أمن سكان شمال إسرائيل إلي جانب اعتبارات سياسية أخرى، ما يجعل ضم لبنان إلي وقف إطلاق النار أمر مستبعد، ما ينذر بالدفع بحرب جديدة بين إيران وإسرائيل ودخول الحوثيين إلي جانب الإيرانيين، ما يضعف أي محاولات لخفض التصعيد، ما ينبئ بمحاولات نتنياهو بإفشال وقف النار عن عمد من أجل إنقاذ ما تبقي من مسيرته السياسية في إسرائيل.

هل سيتفكك حزب الله في النهاية أم يبقي رغم الضربات؟
صرح حزب الله بأنه لن يلتزم بوقف إطلاق النار ما لم تلتزم به إسرائيل، كما أن المفاوضات التي ستجري في إسلام أباد ستكون بمثابة اختبار لمدي التزام إيران بمساعدة حزب الله، كما ليس من المرجح أن تلتزم إسرائيل لوقف إطلاق نار كامل أو انسحاب من لبنان وأن تخبر من قبل الولايات المتحدة على قبوله، ما ينذر باشتعال حرب استنزاف طويلة الأمد بين حزب الله وإسرائيل، الجيش الإسرائيلي غير قادر على السيطرة على كامل المنطقة الجنوبية من نهر الليطاني، كما أن حزب الله غير قادر على إخراج القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، وكذلك عدم قدرة كل من الدولة اللبنانية وإسرائيل على نزع سلاح حزب الله بالقوة، ما يجعل السبيل الوحيد هو التوصل إلى تسوية تفاوضية.
ما يجعل الخيار المطروح هو إنشاء منطقة أمنية في جنوب لبنان على بعد حوالي 2-3 كيلو متر من الخط الأزرق والذي بحسب المطروح لن تبنى عليه أي مواقع عسكرية إسرائيلية في المنطقة، وسيتم إجلاء المدنيين لمنع أي احتكاك بين السكان المحليين والقوات الإسرائيلية، كل ذلك في ظل محاولات الدولة اللبنانية لفرض سيادتها، فلايزال الانقسام الداخلي يعيق الجهود اللبنانية لتنفيذ قرارات الحكومة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله، والذي يهدد بانقسامات على أسس طائفية وسياسية.
كما يصور حزب الله معركته على أنها دفاع عن النفس نيابة عن لبنان، وأن المقاومة وحدها هي الكفيلة بحماية البلاد، لا نزع السلاح ولا التنازلات، أما عن سلاحه فأنه لن ينزعه أبدًا لا أثناء المعركة، ولا قبلها، ولا بعدها، وأن الحزب قد يضطر لاستعادة هيبته بالقوة، ما يوحي باستخدام الحزب للقوة ضد الدولة اللبنانية ومعارضيه.

إلى أين يتجه المشهد؟
مع إعلان نتيناهو المفاجئ عن محادثات محتملة، والسعى للتوصل لنزع شامل لسلاح حزب الله وقصر حمل السلاح في يد الدولة اللبنانية، ينبغي على صانعي القرار الوعي بأن الحرب في لبنان لن تنتهي بانتهاء الحرب على إيران، وأن الحرب على لبنان لن تتوقف بوقف إطلاق نار آخر، بل بتفكيك حزب الله بالكامل، والمقصود بتفكيك حزب الله ليس فقط قدراته العسكرية، بل قدراته المالية والسياسية.
إلا أن الانقسامات الداخلية في لبنان تقوض من أي مساعي لحل أزمة حزب الله، ما ينذر استمرار حزب الله بالتواجد على الساحة السياسية والعسكرية في لبنان، والذي من شأنه أن ينذر بحرب أهلية جديدة على غرار حرب 1975-1990، والتي ستخدم المصالح الإسرائيلية من خلال إشراك حزب الله في صراع داخلي منهك، إلا أن هذا الخيار يعني تهديد استقرار الدولة اللبنانية نفسها.