
كتب:- ساهر السمري
قبل نحو مائة عام من الآن عُرض في قاعات السينما الأميركية فيلمًا صامتًا إسمه “الفتاة الكومبارس The Extra Girl” من إخراج “فرانك ريتشارد جونز” و بطولة الممثلة و المخرجة “أمابل نورماند” التي تركت إرثًا كبيرًا للسينما الأمريكية رغم وفاتها في سن السابعة و الثلاثين متأثرة بمرض السل الرئوي.. كما أن لديها سبقًا سينمائيًا طريف جدًا بأنها أول من تلقت فطيرة في وجهها في عالم السينما.. ذلك المشهد الذي أصبح حاضرًا بقوة في الكثير من الأفلام الكوميدية في العالم، و في مصر أيضًا.
“نورماند” التي مُنحت نجمة في ممشى هوليوود للمشاهير تقديرًا لإسهاماتها في تأسيس عالم السينما، قامت في ذلك الفيلم بدور “سو جراهام” الفتاة التي جاءت من بلدة صغيرة لتحقق حلمها بأن تصبح ممثلة في هوليوود.. لكن بسبب سوء فهم تعرضت له بالإضافة لموهبتها الضئيلة وجدت نفسها مجرد “كومبارس” .. تظهر في خلفية المشاهد وراء النجوم تؤدي حركة أو تحدث صخبًا يحتاجه المشهد وسط العشرات ممن يشبهونها.. فانتهى بها المطاف في النهاية لترك هوليوود و العودة من حيث جاءت.
كان هذا الفيلم هو الأول في وصف الممثلين الإضافيين أو ممثلو الخلفية كما يطلق عليهم في السينما الأميركية و البريطانية أو ما نطلق عليهم مصطلح “كومبارس” وهي لفظة إيطالية “Comparsa “معناها الحرفي “المظهر”.. لكنها تشير إلى هؤلاء الذين يملؤون الكادر السينمائي خلف الممثلين الرئيسيين.. و كذلك تضم الممثلين الثانويين الذين يكتفون بجملة أو اثنتين في العمل، و لا يعد لدورهم قيمة حقيقية أثناء الأحداث.
ملح السينما المصرية .. مشاهير الظل
شهدت السينما المصرية عبر تاريخها العريق الممتد من القرن الماضي ظهور وجوهًا ثانوية مميزة، ارتبطت في أذهان المتلقي بحضور معيّن أو عبارة شهيرة أو جملة كوميدية، جعلتهم يعيشون طويلًا في الذاكرة .. خاصة مع جمهور يعشق “الإفيه “و يتأثر به و يحفظه و ربما يتعامل به في حياته اليومية لسنوات.. لكنه للأسف في معظم الأحيان لا يعرف إسم ذلك المؤثر صاحب الجملة أو الحضور الخاطف في الأعمال السينمائية.
لذلك، هناك قائمة طويلة من المميزين الثانويين بدأت مع بداية السينما، و أعلنت نفسها جزءًا أصيلًا من تركيبتها .. و قد تنحصر أسباب اختيارهم أو اقتحامهم لمجال السينما في الصدفة، و استمرارهم فيها وقف دائمًا عند كونهم “كاراكترات مميزة”.. يحملون ملامح تؤهلهم لأدوار معينة، أو هيئة شكلية و جسدية تمنحهم أدوارًا مقولبة محفوظة .. ربما تتكرر باستمرار مع كل ظهور لهم.

نبدأ ب” فايزة عبد الجواد” كمثال جيد لرصد بسيط لأشهر تلك الوجوه السينمائية.. هي تلك السيدة السمراء حادة الملامح التي تظهر عادة من خلال الأفلام كسجينة أو حارسة في السجن، و قد تجدها تسكن أي حارة شعبية في كل فيلم يطلب تواجد بشري في أحد مشاهده المصورة خارج الستوديوهات، فايزة اشتهرت بمشاهد العراك مع البطل، كما حدث مع عادل إمام في فيلم “رمضان فوق البركان” و سهير البابلي في مسلسل “بكيزة وزغلول”.
“فايزة” المولودة في الجيزة في أربعينات القرن الماضي، قدم لها القدر خدمة ثمينة باختيار المنطقة التي تعيش بقربها لتصوير بعض مشاهد فيلم “تمر حنة”.. و قد وقع عليها نظر “رشدي أباظة” بطل الفيلم و رأى في ملامح الفتاة الشابة ما يجعلها تقف ضمن المجاميع، و هو ما شكّل البداية لحضور ثري مستمر في السبعينات و الثمانينات، و حتى آخر أعمالها قبيل ثورة يناير 2011.. قبل أن تعتزل المهنة و تلقى ربها في فبراير 2016.
الصدفة أيضًا لعبت دورها مع واحدة من أشهر الممثلين الثانويين في السينما المصرية، و التي توفيت قبل أيام تاركة لنا حضورًا في أكثر من 150 عمل بين السينما و الدراما التليفزيونية .. الست “فاطمة كشري” التي اكتسبت ذلك اللقب من وراء عربة الكشري التي تمتلكها التي ورثتها عن زوجها، و كانت مصدر رزقها الأساسي.

حكت “فاطمة” أنها أثناء شراءها لبعض لوازم المنزل، وجدت تصوير خارجي لأحد الأعمال الفنية، فتوقفت لتتلصص على الممثلين الموجودين، قبل أن تدفعها جرأتها لتطلب من الحضور منحها فرصة الظهور أمام الكاميرا، ليدلها أحدهم على مكاتب الكومبارس، لتبدأ مسيرتها في عديد الأعمال مع الصنّاع الذين استغلوا ملامحها الطبيعية و شخصيتها التي طغت عليها البيئة الشعبية و أثرت فيها.
ملامح على الهامش.. عندما تصنع الهيئة فرصة الظهور

الملامح الشكلية المميزة أو غير المعتادة قد تمنحك فرصة لتصبح ممثلًا ثانويًا .. حدث ذلك مع “صفا محمد” أو “الجميل” كما كانوا يطلقون عليه في دلالة واضحة ذات مغزى،هو ذلك الشاب الذي يعاني من إنحراف العين و ثقل بسيط في لسانه، جعله يحصل في الثلاثينات و الأربعينات على أدوار “الآبله” أو العامل-صبي القهوجي أو حتى أحد ساكني الحارة .. لكنه عُرف جماهيريًا بإسم “نوفل”، و هي الشخصية التي قدمها في فيلم “شباك حبيبي” كابن المعلم “سماحة “عبد الفتاح القصري”.
“عبد الرازق الشيمي” و شهرته “فرعون” هو أيضًا واحد من أولئك الذين عبروا للسينما من خلال بوابة الشكل .. و قد حصل على قدر من الشهرة في أواخر التسعينات و بداية الألفية.
ويدخل هذه القائمة أيضًا “محمد عيد”، الذي اشتهر بسبب”قصر القامة” و أدى واحدًا من أشهر أدوار السينما في الألفية الجارية في فيلم “الرجل الأبيض المتوسط”، و لعلك تتذكر في كل مرة مناوشاته مع “أحمد آدم” التي تنتهي دائمًا بطريقة كوميدية.
السمنة ليست من مفردات أي ممثلة أرادت أن ترتقي لمصاف النجمات، لكنها مطلوبة جدًا بين أوساط الممثلات الثانويات .. بل أن فقدان الوزن في تلك الحالة يرتبط بفقد الفرصة ذاتها في العمل بالسينما.
هذا ما حدث مع “نورا السباعي” واحدة من أشهر صاحبات الوزن الزائد ممن ظهرن في سينما الألفية، قدمت “نورا” أكثر من خمسين عملًا ما بين السينما و التليفزيون، و كان آخر ظهور مميز لها في مسلسل “مسيو رمضان” رفقة “محمد هنيدي” .. قبل أن تفقد وزنها في قرار موفق صحيًا، و تفقد معه أي فرصة عمل أخرى من بعدها.
“آنجيل أرام” كذلك لعبت كثيرًا دور الفتاة التي تظهر فقط للسخرية من وزنها الزائد .. و هي واحدة من المخضرمات ، حيث بدأت مسيرتها في منتصف الستينات حتى بداية الألفية.
مؤخرًا، و مع توغل شبكة الإنترنت و ظهور مواقع التواصل الإجتماعي، بدأ الاهتمام أكثر بهؤلاء الثانويين .. و أصبح متاحًا لكل منا أن يعرف اسمًا أو اسمين ممن أثاروا انتباهه أو أضحكوه أكثر من غيرهم،أسماء كسحر كامل و نادية العراقية و مريم سعيد صالح و حسن كفتة لم تعد غريبة كما السابق.. فالراحلة سحر كامل هي صاحبة الجملة الشهيرة المستخدمة بإفراط “و أنا مالي يا لمبي!” .. ربما هي ذاتها لم تعرف أن جملتها تلك ستعيش أكثر منها، أيضًا سحر لديها “إفيه” آخر مفرط في الذكاء و الكوميديا، حين باغتتها شرطة الآداب في الشقة المشبوهة أثناء أحداث فيلم “جاءنا البيان التالي” لتهتف في وجه أفراد الحملة قائلة “فيه إيه !.. ده أنا نايمة لوحدي !”.
“مين فيكم اللي أكل الجبنة؟!” بالتأكيد ستقرأ الجملة بصوتها هي ذاتها، و سيأتي على بالك ظهورها المميز في كل فيلم و مسلسل عملت به، إنها “فاتن فتحي الدعمي” أو “نادية العراقية” .. لماذا عراقية؟ .. لأنها عراقية بالفعل، ظننت ذلك واضحًا، فهل لاحظت خللًا في لهجتها المصرية من قبل !
ربما لا يعرف الكثيرون أن فاتن فتحي هي نجمة من نجمات المسرح العراقي في الثمانينات و التسعينات.. ربما هي الأشهر و الأفضل بعد الفنانة “أمل طه” .. لكنها تحولت لممثلة ثانوية في السينما المصرية إثر استقرارها بالقاهرة.
نادية العراقية هي مثال جيد لهدم أسطورة أن الممثلين الثانويين لا يحتاجون إلى خبرة تمثيلية تذكر .. فكل ممثل مهما صغر دوره يحتاج إلى قدرًا لا بأس به من الخيال و الأداء.

بمرور الوقت أصبحت عملية اختيار الممثلين الثانويين أكثر دقة، و ليس لمجرد تسكين الأدوار و ملء المساحات.. فبعملية ممنهجة يختار المخرج الممثل الذي سيخدم المشهد و يكمل إطاره.
في بعض الأحيان، يخلق المؤلف موقفًا دخيلًا ليستخدم المخرج خلاله ممثلًا ثانويًا معينًا مطلوب حضوره.. و في أحيان أخرى يصنع المخرج من شخصية هامشية تمامًا موقفًا كوميديًا إضافيًا يزيد من جرعة الضحك.
ذلك ما حدث مع سليمان عيد حين طلبه المخرج وائل إحسان لمشهدين اثنين في فيلمه “ظرف طارق” طالبًا منه أن “يملأ الدور بموقف كوميدي يجلب الضحك”.
إذا عدنا لأرض الواقع سنجد أن حياة “الكومبارس” شاقة جدًا في معظم الحالات .. إذ أن العمل بالسينما في تلك الأدوار ذات المساحة البسيطة لا يؤمن دخلًا ماديًا ذا قيمة، و لا يضمن حياة مستقرة آمنة.. فهم بالنهاية أشبه بعمّال اليومية، يستخدمهم صنّاع العمل ليوم أو يومين تصوير على أقصى تقدير و يتقاضون أجرًا زهيدًا عن كل يوم.
بالإضافة إلى أن معظم هؤلاء ليسوا نقابيين و لا ينتمون إلى نقابة المهن التمثيلية التي تشترط أن يكون العضو فيها حاملًا على الأقل لشهادة الثانوية العامة أو ما يعادلها.. و هو ما يزيد الحياة صعوبة عليهم، و يساهم في أن جلهم يموت دون أن يسمع أحدنا خبرًا. وضع يصعب مقارنته مع أقرانهم في السينما البريطانية مثلًا، و التي تحدد الفارق بين الممثل و نظيره الممثل الثانوي “الإضافي”.. فالأخير بمجرد أن ينطق 13 كلمة في المشهد الواحد لا يمكن إعتباره إضافيًا، و ينتقل لمصاف الممثلين الأساسيين و يعامل معاملتهم .. كما أن الأجر اليومي للممثل الإضافي في إنجلترا يعتمد بعد 10 ساعات عمل كحد أقصى .. و في ذلك خلافًا لسياسة اليوم المفتوح للممثلين عندنا.
ربما لن تحتاج حاليًا لمشاهدة فيلم “الفتاة الكومبارس” لتعرف عن معاناة “سو جراهام” و ما الذي دفعها لترك كل ذلك و العودة من حيث جاءت.. فقط أنت تعرف الآن.