منها بائع العرقسوس ومنادي القطار.. أصوات غابت عن الشارع وبقيت في الذاكرة

نهاد شعبان

صورة مخلقة بالذكاء الاصطناعي

وسط زحام المدن الحديثة حيث تتداخل أصوات السيارات مع المارة مع نغمات الهواتف المحمولة، اختفت تدريجيًا أصوات كانت يومًا ما جزءًا أصيلا من الحياة اليومية، فلم تكن مجرد ضوضاء عابرة، بل كانت علامات مميزة لزمن مختلف، تحمل في طياتها ذكريات وملامح مجتمع كامل، وتروي حكايات مهن وأشخاص كانوا يشكلون جزءًا من نسيج الشارع المصري.

ومن بين تلك الأصوات التي تلاشت، يبرز صوت بائع العرقسوس، بنبرته المميزة وهو ينادي على مشروبه في أيام الصيف الحارة، حيث كان صوته يحمل إيقاعًا خاصًا، يكاد يتحول إلى لحن محفوظ في ذاكرة من عاصروا تلك الأيام، لم يكن مجرد بائع، بل كان جزءًا من المشهد بزيه التقليدي وأدواته البسيطة.

كذلك بدأ يختفى تدريجيًا صوت بائع “الترمس” أو “الحمص”، الذي كان يجوب الشوارع مرددًا عبارات محفوظة، تختلف من منطقة لأخرى، لكنها تتشابه في قدرتها على جذب الانتباه، وكانت هذه النداءات تمثل وسيلة تسويق فريدة، تعتمد على الأداء الصوتي أكثر من أي شيء أخر.

أما “منادي القطار”، فكان صوته أحد أبرز ملامح السفر قديمًا، في محطات مثل محطة مصر، كان صوته يعلو فوق الضجيج، معلنًا مواعيد القطارات ووجهاتها، بطريقة قد تبدو عشوائية لكنها كانت مفهومة تمامًا للمسافرين، أما اليوم فقد حلت الشاشات الإلكترونية والتسجيلات الصوتية محل هذا الدور، واختفى معه ذلك الصوت الإنساني الدافئ.

ولم يكن الأمر مقتصرًا على هؤلاء فقط، فهناك أيضًا بائع “الأنابيب” الذي كان ينادي لتبديل أسطوانات الغاز، وبائع “السكاكين” الذي كان يجوب الشوارع مرددًا “سن السكاكين يا سكاكين”، بصوت حاد يلفت الانتباه، كذلك بائع “الروبابيكيا”، الذي لا يزال صوته حاضرًا في بعض المناطق، لكنه لم يعد بنفس الانتشار أو التأثير، وهذه الأصوات لم تكن مجرد وسيلة للرزق، بل كانت جزءًا من هوية المكان، فلكل حي صوته الخاص، ولكل بائع أسلوبه المميز، وكان الأطفال يحفظون هذه النداءات، بل ويقلدونها أحيانًا في ألعابهم، ما يعكس مدى تأثيرها في الوجدان الشعبي.

ومع التغيرات التي شهدها المجتمع، بدأت هذه المهن في التراجع، نتيجة التطور التكنولوجي، وانتشار المتاجر الحديثة، وتغير أنماط الاستهلاك، وهذه كلها عوامل ساهمت في اختفاء هذه الظواهر، فلم يعد الناس ينتظرون البائع المتجول، بل يتجهون إلى السوبرماركت أو يطلبون احتياجاتهم عبر التطبيقات الإلكترونية، كما لعبت القوانين المنظمة للشارع دورًا في تقليص وجود الباعة الجائلين، خاصة في المناطق الحيوية، ومع تزايد الاهتمام بتنظيم المرور وتقليل العشوائية، أصبح من الصعب على هؤلاء الباعة ممارسة عملهم كما كان في السابق.

لكن رغم هذا الاختفاء، لا تزال هذه الأصوات حاضرة في الذاكرة، يستعيدها الكبار بحنين واضح، ويروونها للأجيال الجديدة كجزء من “زمن جميل” لم يعد موجودًا، بعض الفنانين والمبدعين حاولوا توثيق هذه الظاهرة، سواء في الأفلام أو الأغاني أو الأعمال الأدبية، إدراكًا منهم لقيمتها الثقافية، وفي السنوات الأخيرة، ظهرت محاولات محدودة لإحياء بعض هذه المظاهر، خاصة في المناطق السياحية أو خلال الفعاليات التراثية، حيث يُعاد تقديم بائع العرقسوس أو غيره كرمز من رموز الماضي، لكنها تظل محاولات رمزية، لا تعكس الوجود الحقيقي الذي كان لهذه المهن في الشارع، فلا يمكن النظر إلى هذه الأصوات باعتبارها مجرد تفاصيل عابرة، بل هي جزء من ذاكرة جماعية، تعكس نمط حياة كامل، ومع اختفائها، لا نفقد فقط مهنًا بسيطة، بل نفقد أيضًا جزءًا من روح الشارع، وصوتًا كان يومًا يعبر عن نبضه الحقيقي.