الموازنة العامة ومعادلة التنمية.. رؤى اقتصادية شاملة لكبح جماح الغلاء وضمان حياة كريمة

​تعتبر الموازنة العامة للدولة هي الشريان الذي يغذي كافة الخدمات الأساسية التي تمس حياة المواطن اليومية، وفي الواقع المصري الحالي، يبرز عجز الموازنة كعائق أساسي يحرم الأسر من ثمار التنمية.
فالعجز الذي وصل إلى أكثر من 1.5 تريليون جنيه في العام الأخير ليس مجرد رقم حسابي، بل هو السبب المباشر لجوء الدولة للاقتراض وطباعة السيولة، وهي الدائرة التي تؤدي في النهاية إلى رفع أسعار السلع الأساسية وإضعاف قيمة مدخرات الناس.
إن فهم أصل المشكلة يبدأ من إدراك أن دخل الدولة الحالي بات غير كافي حتى لتغطية فوائد الديون القديمة، مما يجعل من إصلاح هذا الخلل ضرورة إنسانية واجتماعية لضمان حياة كريمة للمصريين.

​روشتة الإنقاذ الاقتصادي
​وفي ذلك قال الخبير الاقتصادي، الدكتور أحمد سمير، أن الحل الجذري والوحيد لكسر هذه الدائرة المفرغة من الديون والتضخم يكمن في تحقيق العدالة في التحصيل الضريبي، موضحًا أن مصر لا تحصل سوى 14% فقط من ناتجها المحلي كضرائب، بواقع 2.8 تريليون جنيه، بينما تحقق دول ناشئة أخرى ظروفها تشبهنا تمامًا نسبًا تتراوح بين 20% و25%.

وأشار إلى أن الوصول لهذه النسبة العادلة سيرفع الحصيلة إلى 4.3 تريليون جنيه، وهو ما يوفر زيادة قدرها 1.5 تريليون جنيه، وهي القيمة التي توازي تمامًا حجم العجز السنوي، مشيرًا إلى أن هذا الإجراء سيوقف نزيف الدين المحلي الذي تراكم عبر السنين ليصل إلى 12 تريليون جنيه، مما يفتح الباب لاستعادة التوازن المالي للدولة.

​مواجهة التهرب الضريبي وفرض رقابة الدولة
و​أكد الخبير الاقتصادي أن مسار الإصلاح لا يستهدف زيادة الأعباء على المواطن الملتزم، بل يتركز على دمج المتهربين من القطاع الرسمي، خاصة في مهن مثل المقاولات والسمسرة والطب والمحاماة، والذين يتربحون بعيدًا عن مظلة الدولة.
وأوضح أن الصرامة المطلوبة تعني تطبيق مبدأ “وحدة الموازنة” لربط كافة الصناديق والأجهزة الحكومية بوزارة المالية مباشرة، مع تغليظ عقوبات التهرب بشكل رادع.

وحذر من أن هذا التوجه سيصطدم بمقاومة عنيفة من القوى المستفيدة من هذا الترهل المالي ومن “الدولة العميقة” التي تسعى للحفاظ على مكتسباتها على حساب ميزانية الدولة، مؤكدًا أن تجاوز هذه المقاومة هو السبيل الوحيد للتخلص التدريجي من أعباء الديون التي أثقلت كاهل الاقتصاد.

​أثر الإصلاح المالي على مستوى معيشة الفرد
ويرى سمير ​إن الهدف الأسمى من هذه الرؤية هو تخفيف الضغوط المعيشية عن المواطن البسيط الذي يتحمل التكلفة الأكبر للأزمات الاقتصادية، فعندما يتم سد عجز الموازنة من خلال تحصيل حقوق الدولة بضمير وبصرامة، ستتوقف الحاجة إلى طباعة نقود بلا غطاء، وهو ما يعني استقرار الأسعار وكبح جماح التضخم الذي ينهك الميزانيات الأسرية.

تابع، إن توفير مبلغ الـ 1.5 تريليون جنيه كفائض بدلاً من كونه عجزًا سيمسح للدولة بتوجيه هذه الموارد الضخمة نحو تحسين المستشفيات والمدارس ورفع جودة الخدمات، بدلاً من إهدارها في دوامة سداد الفوائد، مما يمنح المواطن شعورًا حقيقيًا بالعدالة وبأن ثروات بلاده تدار لمصلحته أولًا.

تعزيز العدالة الضريبية ومواجهة الاقتصاد غير الرسمي
​من جهته، أكد الخبير الاقتصادي، الدكتور خالد الشافعي، أن العجز الحالي في الموازنة العامة يتطلب حلولًا غير تقليدية تتجاوز مجرد سد الثغرات المالية، مشيرًا إلى أن دمج الاقتصاد غير الرسمي يمثل طوق النجاة الحقيقي للاقتصاد المصري، حيث يساهم هذا القطاع بنسب ضخمة من النشاط التجاري دون أن تستفيد منه خزينة الدولة بشكل عادل.

​وأوضح أن تطبيق منظومة الفاتورة الإلكترونية والتحول الرقمي الكامل في التعاملات المالية سيكشف بوضوح عن حجم الأرباح الحقيقية التي يحققها كبار الممولين والمتهربين، مؤكدًا أن هذا التوجه لا يستهدف فرض ضرائب جديدة على محدودي الدخل، بل يهدف إلى تحقيق توازن يضمن أن يدفع كل طرف نصيبه العادل من الضرائب مقابل ما يحققه من أرباح داخل السوق المصرية.

​وأضاف أن توفير السيولة الناتجة عن ضم هذه الشرائح المتهربة سيعطي الدولة مرونة كافية لتقليل الاعتماد على الاقتراض الخارجي والمحلي، وهو ما سينعكس تدريجيًا على خفض معدلات الفائدة وتوجيه تلك الفوائض المالية لدعم الفئات الأكثر احتياجًا وتطوير البنية التحتية والخدمات العامة التي تهم كل بيت مصري.