
تشهد إسرائيل مع مطلع عام 2026 أزمة هجرة عكسية حادة، حيث غادرها ما بين 150 ألفا و 200 ألف شخص منذ أواخر عام 2022، وذلك بسبب الحرب المستمرة والتي لم تتوقف منذ 7 أكتوبر 2023 وأدى ذلك لانعدام الأمن والاستقطاب السياسي، وشملت الهجرة الكفاءات من الطبقة العليا والمتعلمين، والذي من شأنه أن يهدد الاستقرار الاقتصادي لإسرائيل ويهدد قادة الرأي في الدولة العبرية، وذلك على الرغم من الجهود المبذولة لزيادة الهجرة من الخارج إلى إسرائيل، فوفق دراسة أجراها مركز إسحاق رابين في مطلع عام 2025 أوضحت أن نحو ربع الإسرائيليين فكروا في المغادرة عام 2024 بسبب تدهور الأوضاع الأمنية، وأشارت نفس الدراسة إلى أن 31% من المشاركين في الدراسة أعزوا ذلك للمخاوف الأمنية كسبب للمغادرة، وبلغ عدد الذين فكروا في الهجرة من إسرائيل نحو 24% في العام 2024 مقارنة بنسبة 18% قبل عامين وذلك منذ تولي حكومة نتنيياهو السلطة.

العوامل الرئيسية في التغييرات الديموغرافية
يحذر العديد من المحللين الإسرائيليين من أن إسرائيل ستجد نفسها متراجعة في المعدلات السكانية، ذلك نتيجة تصاعد الاستقطاب السياسي داخل البلاد، وفقدان ثقة المستثمرين محليًا ودوليًا، مع وجود العديد من التغيرات الديموغرافية، والتي تجعل انهيار شكل الدولة الإسرائيلية أمر شبه حتمي في العقود القادمة ـ يضرب المثل في ذلك بكل من جنوب أفريقيا إبان نظام الفصل العنصري وما بعد العام 1994، وألمانيا الشرقية ما بعد انهيار جدار برلين وتوحيد ألمانيا عام 1990-.
يمكن رد الوضع الحالي داخل إسرائيل إلى العديد من العوامل منها الانقسام الداخلي حيث يغادر العديد من الإسرائيليين العلمانيين البلاد، على رأسهم رواد أعمال قطاع التكنولوجيا والذي وضع إسرائيل في مصاف الأفضل في العالم، نتيجة تفاقم الوضع بسبب الحرب ومحاولات إضعاف القضاء ومناورات رئيس الوزراء نتيناهو المستمرة، ونمو الجناح الصهيوني المتشدد سريعًا على الرغم من محدودية مساهمته الاقتصادية، حيث يعتمد أغلبيته على الإعانات الاجتماعية.
ومن أبرز التصريحات من الداخل الإسرائيلي تعود إلى يوجين كاندل “الرئيس السابق للمجلس الوطني الإسرائيلي وحليف نتنياهو” في عام 2024، بأن إسرائيل من غير المرجح أن تبلغ الذكرى المئوية لتأسيسها إذا استمرت على النهج ذاته.
السخط السياسي
يعد الاستياء من الخطط الحكومية لإصلاح القضاء العامل الرئيسي، ويقول ناقدي تلك القرارات أن السياسسات الحكومية تقوض الديمقراطية، وبلغت الاضطرابات السياسية ذروتها في الاحتجاجات التي استمرت ما بين عامي 2023 إلى 2025، كما برزت مخاوف بشأن الديمقراطية وحرية التعبير والهوية الإسرائيلية كدولة يهودية ديمقراطية.

أزمة هوية
تتمثل الانقسامات الداخلية في المجتمع الإسرائيلي في وجود ثلاث فئات: فئة العلمانيين الليبراليين ـ فئة المطالبين بدولة يهودية دينية ـ فئة تنادي بدولة يتساوي فيها اليهود والفلسطنيين، والتصارع بين تلك الفئات يهدد بقاء الدولة الإسرائيلية، ويري البعض أن إسرائيل لا تملك رفاهية التراجع للبقاء على وضعها الحالي، وأنها إذا أرادت الحفاظ عليه، فعليها أن تحافظ على قوتها العاملة من الطبقة الوسطى كالعاملين في قطاعي التكنولوجيا والصحة، وأنها إذا أرادت الحفاظ على قدرتها التوسعية لضم الأراضي الفلسطينية فعليها أن تحافظ على قدرتها في الصناعات العسكرية والحفاظ على مستوى معيشي يمنع سكانها من المغادرة.
الأزمة الاقتصادية
وفقًا لتقديرات الخبير الاقتصادي الإسرائيلي دان بن ديفيد أن الاقتصاد الإسرائيلي يعتمد على نحو 300 ألف فرد من النخبة للحفاظ على استمرارها، وأنه إذا ما غادرت تلك النخبة فإن الاقتصاد الإسرائيلي سيتحول من كونه متطورًا إلى اقتصادًا ناميًا، وهو ما لا يمكن لإسرائيل تحمل تبعاته.
يعود التحول الاقتصادي إلى أن المستثمرون بدأو في تحويل أموالهم إلى الخارج منذ الأزمة العالمية في العام 2008، ويبلغ حجم الاستمثارات المحلية في الخارج نحو 50%، يرافقه انخفاض مستوى الاستثمارات الأجنبية في قطاعات التكنولوجيا والصناعات العسكرية ـ إلا أنه مازال مستقر بصورة نسبية نتيجة تجديد اتفاقية الأسلحة مع الولايات المتحدة الموقعة في العام 2016م والتي بلغت قيمتها 38 مليار دولار أمريكي لمدة 10 سنوات ـ ومن المتوقع أن تزيد الأضرار في عام 2026 نتيجة الحرب على إيران.
وبالنظر إلى التركيبة السكانية للمهاجرين فإن 48% منهم تترواح أعمارهم ما بين 20 إلى 45 عامًا، و 27% منهم أطفال ومراهقون، وهم الذين يبحثون عن حياة أفضل ونظرًا لتدهور الوضع الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الحصول على سكن وعمل فضلاً عن قلة فرص الحصول على الخدمات العامة الجيدة، بدأت تلك الفئة في الشعور بتضاؤل الانتماء للدولة الإسرائيلية وثقافتها وفقدان الثقة في القيادة الناتج عن عدم الاستقرار الاقتصادي.

إجراءات الهجرة ما بين الاستقطاب والرحيل
بحسب صحيفة “ماكور ريشون” العبرية بدأت الحكومة في تنفيذ خطة هجرة عكسية عرفت باسم “عليات هاتكوما” تهدف من خلالها تسريع إجراءات الهجرة للقادمين من الدول التي تشهد تصاعدًا في “معاداة السامية” وتهدف المبادرة باستيعاب 30 ألف مهاجر جديد بحلول عام 2026 وتقتضي المبادرة بتقليص فترات الانتظار وتقديم الدعم المالي وتوفير فرص العمل، ومساعدات في السكن في بعض المدن.
كما كثف المؤثرون المؤيديون لإسرائيل من حملاتهم لدعوة اليهود بالهجرة لإسرائيل وفي بعض الأحيان بالمهاجمة والعداء بدل من التشجيع، ووفقًا لبعض الأرقام بلغ أعداد المهاجرين من الدول الغربية نحو 10 الآف وهو رقم متوسط تاريخيا وليس استثنائيًا، وترتبط الأرقام بالعوامل الاقتصادية وليس الدينية
أظهر تقرير خاص صدر عن مركز أبحاث ومعلومات الكنيست في العام 2025، أن أعداد الذين غادروا إسرائيل أكثر ممن هاجروا إليها، وكانت أكثر المدن هجرة: سجلت تل أبيب أعلى نسبة من المهاجرين بنسبة 14% تلتها حيفا 7.7% ثم نتانيا 6.9% والقدس 6.3% .
التوقعات المستقبلية والتحديات
من المتوقع استمرار العجز في ميزان الهجرة، ومن المتوقع أن تتسع الفجزة بين عدد المغادرين والوافدين لتصل إلى حوالي 37 ألف في عام 2026 ـ يتم حساب المهاجرين للخارج بعد مرور عام على إقامتهم بالخارج ـ ومن المتوقع استمرار الأرقام السلبية في عام 2026 وربما لفترة أطول، كما من المتوقع انخفاض معدل النمو الطبيعي في الاتخفاض ليصل نحو 1%، وبحلول عام 2024 وبدون هجرة كبيرة، ستواجه إسرائيل نمو سكاني منخفض تاريخيًا في المستقبل.
وأبرز التحديات التي تواجه إسرائيل المخاوف الأمنية الناجمة عن النزاعات الإقليمية المستمرة، وغلو تكلفة المعيشة حيث أن تكلفة المعيشة في إسرائيل أعلى بكثير من بلدانهم الأصلية، كذلك الصعوبات الاقتصادية التي يواجهها المهاجرون الأقل ثراءً، والمنافسة مع الدول الغربية التي تقدم مزايا اجتماعية أفضل، والمخاوف من عدم الاستقرار السياسي والاضطراب بالمؤسسات الديمقراطية.
تواجه إسرائيل تحدي يتمثل في معالجة العوامل الكامنة وراء الهجرة لأمن والاستقرار والانقسامات السياسية وخفض تكلفة المعيشة وااستعادة الثقة في المؤسسات الديمقراطية، وبدون أي تغييرات جوهرية في السياسات الحكومية قد تغير أنماط الهجرة الحالية مسار إسرائيل الديموغرافي ووضعها الاقتصادي لعقود.