من السياسة إلى الخدمة.. هل تتحول الأحزاب في الأعياد إلى جمعيات خيرية؟

في كل مواسم الأعياد، تتصدر مشاهد توزيع شنط لحوم ومواد غذائية، وفعاليات خيرية برعاية عدد من الأحزاب السياسية في محاولة للتقرب من المواطنين والتواجد في الشارع، ولكن هذا الأمر يفتح بابًا للنقاش والعديد من الأسئلة حول طبيعة الدور الحقيقي للأحزاب؟  هل تتقمص الأحزاب دور الجمعيات الخيرية في المناسبات والأعياد لكسب الشارع في صفوفها؟ وهل النشاط الخيري يمثل خروجًا عن الامتداد الطبيعي لدور الأحزاب؟.

تحويل الأحزاب للعمل الخيري

في هذا الإطار، قال أحمد صبره، أمين سر المكتب السياسي بحزب العدل، إن الأصل في أي حزب سياسي هو إنتاج السياسات، وتقديم بدائل حقيقية لإدارة الدولة وليس فقط سد فجوات آنية عبر العمل الخيري، مضيفًا أن الأحزاب وُجدت لتعبر عن مصالح اجتماعية، وتطرح رؤى اقتصادية وتشريعية، وتنافس على السلطة أو التأثير فيها، لكن حين يتحول النشاط الأساسي إلى توزيع مساعدات، فإننا نكون أمام اختزال خطير لفكرة العمل الحزبي.

وأشار “صبره” في تصريح خاص لـ”ليبرالي” إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في الأحزاب، بل في العلاقة المركبة بينها وبين المواطن، فهناك قطاع واسع من المواطنين أصبح يقيس فاعلية الحزب بمدى ما يقدمه من خدمات مباشرة، لا بقدرته على صياغة سياسات أو ممارسة ضغط سياسي حقيقي، وهنا تتحول السياسة من مجال عام لإدارة المصالح إلى علاقة نفعية مباشرة، وهو ما يضعف فكرة المشاركة السياسية نفسها.

وأوضح:” لكن في المقابل، لا يمكن إنكار أن الفراغ الخدمي الذي تتركه الدولة في بعض الملفات يدفع الأحزاب لمحاولة شغله، إما بدافع إنساني أو بحثًا عن الحضور الجماهيري، وهنا يصبح العمل الخدمي سلاحًا ذو حدين ،قد يقرب الحزب من الناس، لكنه في الوقت نفسه قد يبعده عن دوره الأصلي إذا تحول إلى بديل دائم عن السياسة”.

وحول مدى تأثر المواطن، أكد أن المعادلة معقدة خاصة أن المواطن يتأثر بالخدمة لأنه يعيش ضغطا اقتصاديا مباشرا، لكن هذا التأثر لا يعني بالضرورة اقتناعا سياسيا، و في الكثير من الأحيان، تكسبك الخدمة تعاطفا لحظيا، لكنها لا تبني قاعدة وعي أو تأييد مستدام.

وبسؤاله هل هذا يعكس ذلك ضعف وعي المواطن أم ضعف آداء الأحزاب؟ قال إن الأقرب انعكاس للأمرين معًا ويعد ضعف في الثقافة السياسية لدى قطاعات من المواطنين، يقابله عجز من الأحزاب عن تقديم خطاب سياسي مقنع وبرامج قابلة للتطبيق، فيلجأ الطرفان إلى المسار الأسهل وهو “الخدمة بدل السياسة”.

وأكد أن حزب العدل يحاول تقديم نموذج مختلف نسبيًا، حيث يدمج بين العمل الخدمي والنشاط السياسي، لكن التحدي الحقيقي يظل في الحفاظ على التوازن أن يكون العمل الخدمي مدخلا للتواصل المجتمعي، لا بديلا عن طرح السياسات.

وتابع أن تكثيف الأنشطة الخدمية في المواسم مثل الأعياد ليس بريئًا بالكامل، بل يرتبط بحسابات الحضور والتأثير، كما أن الأعياد لحظة تجمع مجتمعي، وبالتالي تمثل فرصة ذهبية للأحزاب للظهور لكن الخطر يكمن حين يصبح هذا النشاط موسميًا واستعراضيًا، لا ممتدًا ولا مرتبطًا برؤية سياسية واضحة.

واختتم حديثه بأن الأحزاب التي تتحول إلى “جمعيات خيرية” تفقد جوهرها تدريجيًا، والمواطن الذي يختزل السياسة في “كرتونة رمضان” يفقد دوره كمشارك في صنع القرار، وبين الاثنين، تضيع السياسة كفعل حقيقي للتغيير.

العمل المجتمعي يعزز حضور الأحزاب في الشارع

وأكدت الدكتورة راندا مصطفى رئيس لجنة التضامن الاجتماعي والأسرة بمجلس النواب وأمين المرأة بحزب حماة وطن، أن الأحزاب تلعب أدوارًا هامة في تعزيز التنمية وتحقيق التوازن المجتمعي، ولا يمكن إنكار دورها الاجتماعي، مشيرة إلى أن تبني الأحزاب أنشطة خيرية وتكافلية خلال الأعياد والمواسم مثل توزيع اللحوم أو المواد الغذائية، لا ينتقص من كونها مؤسسات سياسية بل تسعى للاحتفاظ بوجودها في الشارع من خلال تواصل مباشر مع المواطنين لتوطيد العلاقة وليس تحولاً هيكليًا.

وأشارت في تصريح خاص لـ “ليبرالي” إلى أن الجمعيات الأهلية معنية بتقديم خدمات اجتماعية مباشرة أو غير مباشرة لسد احتياجات المجتمع الفورية، من خلال الدعم والمساعدة سواء للأفراد اوالعائلات في الأزمات، مثل توزيع السلع الغذائية أو توفير الرعاية الصحية والتعليمية.

وأضافت”راندا” أن حزب حماة الوطن يعتبر العمل التطوعي ومحو الأمية، جزءاً هامًا من أنشطة الأحزاب السياسية، خاصة في إطار تعزيز دور الشباب والمجتمع المدني، مؤكدة أن هذا النوع من العمل  يهدف إلى التفاعل المباشر مع احتياجات المواطنين، وبناء قاعدة شعبية، وتعزيز الالتزام بالعمل المجتمعي، ويتم تنظيمه كأحد آليات العمل الحزبي

الأحزاب في مصر تكسب المواطنين إنسانيًا بعد فشلها سياسيًا

من جانبه، قال الدكتور بشير عبدالفتاح الخبير السياسي، إن الأحزاب هدفها الأساسي هو التواصل الجماهيري والتفاعل مع الجماهير، وحيث أن الأحزاب بطبيعتها في مصر تفتقر الأرضية الجماهيرية الواسعة، فتحاول استغلال فرص الأعياد والمناسبات للتقارب من المواطنين فتلجأ لوسائل شعبية متماشية مع ثقافة وطبيعة المجتمع.

وأشار ” عبدالفتاح” في تصريح خاص لـ “ليبرالي” إلى أن:” كلام السياسة وكتب السياسة، يصعب تطبيقه على أرض الواقع وخصوصًا في الدول النامية، وبالتالي مع قدوم الأعياد والمناسبات تلجأ الأحزاب لتقديم مثل هذه المساعدات، باحثةعن الشعبية والتفاعل مع المواطنين وخصوصًا في بداية تأسيس الحزب أو تزامنا مع اقتراب انتخابات”، مؤكدًا في ذات الوقت أن المجتمع الناضج سياسيًا لا يحتاج لمثل هذه الأنشطة ولا تكن سوى نشاط مرحلي.

وأوضح أن الفرق الجوهري بين دور الحزب السياسي وبين الجمعيات الخيرية، يتمثل في أن الحزب عندما يقدم خدمات أو مساعدات يكون هدفه الوصول للحكم ويحاول كسب المواطنين للتصويت لصالحه في الانتخابات أي هدفا سياسيا، أما الجمعيات الخيرية هدفها إنساني بحت.

وووصف هذا التوجه بأنه تسييس للعمل الخيري، مشيرًا إلى أن هذا النمط من النشاط يمثل خروجًا عن الامتداد الطبيعي لدور الأحزاب، كما يعكس ضعف الأحزاب وقدرتها على أداء أدوارها السياسية المتعارف عليها ، بالإضافة إلى ثقافة المجتمع وطبيعته أيضا، فعندما نريد التقرب من الناس يجب أن نفرق بين الأمية الأدبية والأمية السياسية وفي ظل الضغوط الاقتصادية والفقر يجعل الناس تحتاج مثل هذه المساعدات لأن لو تحدثنا معه عن وعي سياسي أو ديمقراطية سيجيب ” وأنا هاكل ديمقراطية وهشرب وعي سياسي” والحزب إذا لم يكن هناك استفادة مادية منه لم يلتف الناس حوله.

وأردف أن الحزب إذا كان قوي سياسيًا ولديه حضور وثقة لدى الشعب لم يلجأ لمثل هذه الوسائل ، لكن الأحزاب في مصر ضعيفة وهشة وجديدة وليس لها باع في العمل السياسي أو قاعدة جماهيرية.

وشدد على ضرورة ألا تعتمد الأحزاب على العمل الخيري بل تعتمد على برامجها الجاذبة للجماهير، وتعزيز أدائها السياسي سواء في العمل النيابي أو المحليات مستقبلا ويكون سلاحها هو البرنامج السياسي والأفكار والمبادئ والقيم ويترك العمل الخيري للجمعيات الخيرية الذي هو دورها بالأساس ولكن تلجأ له الأحزاب لغياب دورها السياسي المؤثر، ولخص الوضع قائلاً:” الأحزاب لم تستطع كسب تأييد المواطنين سياسيًا فتحاول كسبهم إنسانيًا ولابد أن تتخلى عن مبرر الناس عاوزة كده فبضطر أقدملهم خدمات”.

وحول ما تحتاجه الأحزاب المصرية لتتحول كيانات منتجة للسياسات لا مجرد فاعلين خدميين، أكد على أهمية توفير مناخ سياسي مناسب يؤهلها لأن يكون لها دورواضح ويحدث انفتاح سياسي يساعدها على العمل بقوة وإثبات وجودها، أن تضع برامج قوية تستطع من خلالها جذب الجماهير، وأن تؤهل كوادرها وتطور من قدراتها وتغزو بها المحليات والبرلمان والانتشار الجماهيري بأن يكون لها مقار في غالبية المحافظات وتتيح وسائل تواصل مباشرة مع الجماهير تناسب كل فئات المجتمع.

الخدمات المجتمعية تعزز تواجد الأحزاب في الشارع

فيما يرى الدكتور إكرام بدر الدين، أستاذ العلوم السياسية جامعة القاهرة، أن مثل هذا النمط من الأنشطة ليس دورًا أساسيًا للأحزاب لكنه دورًا هامًا، ولا يوجد ضرر من تقديم الخدمات والمساعدات للمواطنين من قبل الحزب السياسية خصوصًا في ظل الأزمات الاقتصادية والتضخم الذي نشهده  بجانب أدواره.

وأشار “بدر الدين” إلى أن الأحزاب السياسية لها أدوار متعددة، والحزب في الأصل هو جماعة سياسية منظمة لها برنامج وتسعى للوصول إلى السلطة؛ من خلال الانتخابات والمقاعد التي تحصل عليها إذن في الأصل المهمة سياسية وفي ذات الوقت الحزب يحتاج إلى أعضاء وإلى اجتذاب المواطنين وإلى أنه يساعد في حل مشاكل المواطنين وهذا دور مهم للأحزاب السياسية.

وتابع أن هذا النشاط المجتمعي يساعد الحزب على التواجد في الشارع، ويفتح له مجال لضم أعضاء جدد وهذا يخدمه سياسيًا، حتى وإن كان ذلك تسييسا للعمل الخيري ولكن لا يعني أن الحزب تحول إلى جمعية أهلية بل يقوم بهذا الدور لخدمة أهدافه السياسية ويزيد من شعبيته.