بوكر 2026 لـ”أغالب مجرى النهر”.. سعيد خطيبي يواصل تفكيك الذاكرة والعنف في السرد الجزائري

في امتداد لمشروعه السردي القائم على تفكيك الذاكرة الجماعية واستعادة اللحظات المفصلية في تاريخ الجزائر، تُوّج الروائي الجزائري سعيد خطيبي بالجائزة العالمية للرواية العربية «بوكر 2026» عن روايته «أغالب مجرى النهر»، ليؤكد حضوره كأحد أبرز الأصوات التي تشتبك مع التاريخ عبر الحكاية.

فالرواية الجديدة لا تأتي منفصلة عن أعماله السابقة، بل تمثل امتدادًا طبيعيًا لعالمه الروائي، الذي انشغل فيه دائمًا بالعلاقة بين الفرد والتاريخ، وبين العنف والذاكرة، وهو ما بدا واضحًا في أعماله التي نالت حضورًا نقديًا وجماهيريًا.

مسيرة روائية تتراكم عبر الجوائز

يعد سعيد خطيبي، وهو روائي وصحفي جزائري مقيم في سلوفينيا، من أبرز كتاب جيله، حيث تلقى تعليمه في جامعة الجزائر وجامعة السوربون في باريس، وقدم عددًا من الأعمال الروائية التي حصدت جوائز مهمة.

ومن أبرز هذه الأعمال “«”أربعون عاماً في انتظار إيزابيل”»” الصادرة عام 2016 والحاصلة على جائزة كتارا للرواية العربية عام 2017، و«حطب سراييفو» الصادرة عام 2018 والتي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية عام 2020، و«نهاية الصحراء» الصادرة عام 2022 والحاصلة على جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2023.

وتُعد هذه المرة الثانية التي يصل فيها إلى المراحل الأخيرة للجائزة، ليعيد التتويج إلى الأدب الجزائري بعد غياب استمر لستة أعوام.. وصدرت رواية “«”أغالب مجرى النهر””»”” عن دار هاشيت أنطوان.

رواية تشتبك مع الجريمة والتاريخ

تنطلق الرواية، وفق ملخصها، من خط درامي أول يتمثل في تواطؤ طبيبة عيون مع زوجها المسؤول عن مشرحة، لسرقة قرنيات الموتى وبيعها، غير أن هذا المسار الإجرامي يشهد انعطافة حادة مع مقتل الزوج وخضوع الزوجة للتحقيق، لتبدأ طبقات أعمق من الأسرار في الظهور.

وبالتوازي، يفتح النص خطًا ثانيًا يتابع مناضلين قدامى يسعون إلى إسقاط تهم عمالة ملفقة، قبل أن تتكشف الصلة بين المسارين تدريجيًا، في بناء سردي يقوم على التشابك والتوازي.

التاريخ كخلفية للصراع

لا تقف الرواية عند حدود الجريمة، بل تربطها بسياق أوسع يمتد من الحرب العالمية الثانية، مرورًا بـ حرب التحرير الجزائرية، وصولًا إلى تحولات ما بعد الاستقلال حتى مطلع التسعينيات.

ومن خلال هذا الامتداد الزمني، تطرح الرواية سؤالًا محوريًا حول انتقال العنف من التاريخ العام إلى تفاصيل الحياة اليومية، وكيف يتحول الجسد الإنساني إلى مساحة للمتاجرة والإنكار وتصفية الحسابات.

ما بين العدالة والذاكرة

لا تكتفي “«”أغالب مجرى النهر”»” بتقديم حبكة بوليسية مشوقة، بل تتجاوز ذلك إلى تفكيك العلاقة بين العدالة القانونية وعدالة الذاكرة، مؤكدة أن بعض القضايا قد تُغلق قانونيًا لكنها تظل مفتوحة في الوعي الجمعي.

ولهذا تُعد الرواية نموذجًا لعمل سردي يجمع بين جاذبية الحكاية وثقل الخلفية التاريخية، مع إيقاع يحافظ على توتر الأسئلة حتى نهايته.

القائمة القصيرة للجائزة

وضمت القائمة القصيرة لهذه الدورة أعمالًا لعدد من الكتاب العرب، حيث ضمت أعمالًا لكل من أحمد عبد اللطيف من مصر وأمين الزاوي من الجزائر ودعاء إبراهيم من مصر وضياء جبيلي من العراق ونجوى بركات من لبنان.

لجنة التحكيم الجائزة

جرى اختيار الرواية الفائزة من قبل لجنة تحكيم مكونة من خمسة أعضاء، برئاسة محمد القاضي، وعضوية كل من شاكر نوري كاتب ومترجم عراقي وضياء الكعبي أكاديمية وناقدة بحرينية وليلى هي وون بيك أكاديمية من كوريا الجنوبية ومايا أبو الحيات كاتبة ومترجمة فلسطينية.

بهذا التتويج، يواصل سعيد خطيبي ترسيخ مشروعه الروائي القائم على مساءلة التاريخ عبر السرد، مؤكدًا أن الرواية العربية قادرة على إعادة طرح الأسئلة الكبرى بلغة تجمع بين الفن والمعرفة.