
لم تكن انتخابات اتحاد كتاب مصر هذا العام مجرد استحقاق نقابي تقليدي، بل بدت أقرب إلى مشهد سياسي مكتمل الأركان، تتقاطع فيه الرؤى والتيارات، وتتصارع فيه البرامج، داخل واحدة من أقدم المؤسسات الثقافية في مصر، التي طالما شكلت صوتًا موازياً للحياة السياسية والاجتماعية.
جاءت الانتخابات، التي أُجريت بمقر الاتحاد بالقاهرة الجمعة الماضية في لحظة فارقة، وسط تنافس بين ثلاث قوائم رئيسية هي «كتاب مصر» و«ائتلاف حول مشروع الرؤية» و«جبهة التغيير والإصلاح»، إلى جانب حضور مستقل لافت تُوّج بفوز الكاتب والناقد السينمائي الأمير أباظة، ليكسر احتكار القوائم ويؤكد أن المزاج الانتخابي لا يخضع بالكامل للكتل المنظمة.
هذا التعدد في القوائم لم يكن مجرد تنوع شكلي، بل عكس بوضوح اختلافًا في الرؤى حول إدارة الاتحاد ومستقبله. فبينما طرح «ائتلاف حول مشروع الرؤية» برنامجًا يركز على التطوير المؤسسي واستمرار الخبرات، مستندًا إلى وجود قيادات حالية داخل مجلس الإدارة، جاء “ائتلاف جبهة التغيير والإصلاح” بخطاب أقرب إلى المراجعة الجذرية، داعيًا إلى تغيير الوجوه وإعادة ترتيب أولويات العمل النقابي. أما قائمة “كتاب مصر، فقد حاولت تقديم نفسها كمساحة وسطية تجمع بين الخبرة والتجديد.
وإذا كانت المنافسة قد بدأت على مستوى الشعارات، فإن نتائج الصناديق كشفت عن خريطة مختلفة للتوازنات داخل الجمعية العمومية. فقد حصد “ائتلاف حول مشروع الرؤية” النصيب الأكبر من المقاعد بنحو 14 عضوًا، بنسبة تقارب 48%، بينما جاءت “جبهة التغيير والإصلاح” في المرتبة الثانية بنحو 10 مقاعد، بنسبة تقترب من 34%، فيما حصلت قائمة “كتاب مصر ” على 5 مقاعد بنسبة تقارب 17%، إلى جانب مقعد مستقل واحد.
هذه النتائج تعكس في جوهرها رغبة في التوازن، فلا هي منحت الأغلبية المطلقة لطرف واحد، ولا أقصت أيًا من التيارات، بما يفتح الباب أمام مجلس إدارة متعدد الاتجاهات، قد تكون فيه التحالفات الداخلية هي العامل الحاسم في إدارة المرحلة المقبلة.
وتكتسب هذه التركيبة أهمية مضاعفة في ظل طبيعة النظام الانتخابي للاتحاد، حيث لا يتم انتخاب الرئيس بشكل مباشر من الجمعية العمومية، بل يُختار في مرحلة لاحقة من داخل مجلس الإدارة، من بين الأعضاء الثلاثين الفائزين، ما يجعل موازين القوى داخل المجلس هي المحدد الرئيسي لشخصية الرئيس القادم.
وفي خلفية هذا المشهد، تبرز الأسئلة الأهم: هل يستطيع هذا التنوع أن يتحول إلى حالة من العمل المشترك، أم يتحول إلى ساحة صراع جديدة؟ وهل تنجح القوائم المختلفة في تجاوز منطق المنافسة الانتخابية إلى منطق الإدارة الجماعية؟
الإجابة عن هذه الأسئلة لا تنفصل عن طبيعة الملفات المطروحة أمام المجلس الجديد، والتي لا تقل تعقيدًا عن المشهد الانتخابي ذاته، وفي مقدمتها ملف الرعاية الصحية، وتفعيل دور الاتحاد الثقافي، وتحسين أوضاع الأعضاء، إلى جانب إعادة بناء الثقة بين المجلس والجمعية العمومية.

وفي هذا السياق، قال الشاعر والناقد عماد سالم، أحد المتابعين والمراقبين للعملية الانتخابية: “لم تكن نتيجة انتخابات مجلس إدارة النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر مجرد إعلانٍ لأسماءٍ فازت بثقة الجمعية العمومية، بل كانت لحظةً كاشفة لوعيٍ جمعيٍّ اختار أن ينحاز إلى الكفاءة، وأن يراهن على القدرة لا الشعارات. وقد جاء هذا الاختيار ليحملني على قدرٍ كبير من السعادة، إذ إن اختياراتي قد تحققت بنسبة تقترب من الكمال.
وأضاف أشعر بأن هذا المجلس يمثلني، ويعبّر عن رؤيتي، ويجسد ما كنت أطمح إليه. ومن هنا، فإن تهنئتي ليست مجرد مجاملة عابرة، بل هي تهنئة ممتدة بالثقة، ومحمّلة بالأمل، ومقرونة بانتظارٍ مشروع لما وعدتم به، موجها كلامه للمجلس المنتخب رسالتي لأعضاء مجلس الإدارة، إننا لا نذكّركم بما نسيتم، بل نعيد التأكيد على ما أعلنتم، وعلى ما تعهّدتم به أمام زملائكم، وأمام ضمائركم قبل كل شيء.
ملف المعاش
يظل ملف المعاشات في مقدمة الأولويات، خاصة لهؤلاء الذين لم يكن لهم من سندٍ بعد الله سوى الكلمة، فجعلوا منها مهنتهم الوحيدة وملاذهم الأخير. إن تحسين المعاش ليس مطلبًا رفاهيًا، بل هو حق أصيل، وضرورة إنسانية، وواجب نقابي لا يحتمل التأجيل أو المساومة.
وكذلك يأتي التأمين الصحي والعلاج في صدارة ما ينتظره أعضاء النقابة، لا كخدمة إضافية، بل كحق أساسي يجب أن يُقدَّم بما يليق بالكاتب المصري، الذي أفنى عمره في خدمة الثقافة والفكر. إن المرض لا ينتظر، والكرامة لا تقبل أنصاف الحلول، ومن هنا فإن هذا الملف يظل معيارًا حقيقيًا لنجاح أي مجلس، ولتكن هذه البداية بداية عهدٍ جديد، عنوانه الوفاء، ومضمونه العمل، وغايته كرامة الكاتب المصري.”
شروط الانتخابات

ولا يمكن قراءة هذه الانتخابات بمعزل عن الإطار القانوني الذي يحكمها، إذ يخضع الترشح لعضوية مجلس الإدارة لشروط محددة وفقًا لقانون إنشاء الاتحاد رقم 65 لسنة 1975، والتي تشمل أن يكون المرشح مقيدًا بجدول الأعضاء العاملين، ومسددًا لاشتراكاته، ومتمتعًا بالأهلية المدنية الكاملة، ولم تصدر ضده أحكام مخلة بالشرف، فضلًا عن كونه مصري الجنسية ومقيمًا داخل البلاد، وهي شروط تهدف إلى ضمان جدية العملية الانتخابية ونزاهتها.
في النهاية، تبدو انتخابات اتحاد كتاب مصر هذا العام وكأنها مرآة مصغرة للحياة السياسية الأوسع، حيث تتجاور التيارات، وتتصارع الرؤى، ويظل الحسم بيد الناخبين، بينما يبقى التحدي الحقيقي ليس في الفوز بالمقاعد، بل في القدرة على تحويل هذا الفوز إلى إنجاز فعلي يشعر به أعضاء الاتحاد.
هكذا، يتحول «بيت مصر الإبداع» من مجرد كيان ثقافي إلى ساحة تعكس ديناميكيات السياسة، حيث لا تنفصل الكتابة عن الواقع، ولا ينفصل المثقف عن معارك التنظيم والإدارة.