بداية النهاية للحرب أم خدعة ترتيب الأوراق.. لماذا فشلت محادثات إسلام آباد بين أمريكا وإيران؟

إسراء أبوالنصر

انتهت واشنطن وطهران من الجولة  الأولى من المحادثات المباشرة في باكستان، وذلك بعد أيام من التوصل إلى اتفاق هش لوقف إطلاق النار، ونجد كما كان متوقع خروج الوفدين الإمريكي والإيراني عقب جولة المفاوضات التي استمرت على مدار 21 ساعة ليعلنا الفشل في التوصل لاتفاق بينهما، يرسخ لوقف إطلاق النار، وكانت  محور الخلافات كما هو معلن  تتركز على قضايا رئيسية أهمها وضع مضيق هرمز، والأسلحة النووية الإيرانية وكذلك موقف وقف إطلاق النار على شركاء إيران، بخاصة حزب الله، والذي تشترط طهران وقف العملية الإسرائيلية ضده، للمضي في الالتزام بوقف النار.

ورغم  عدم  التوصل لاتفاق، إلا أن  محادثات  السبت الماضي، بين أمريكا وإيران تعد لحظة تاريخية،لأنها تعد المرة الأولى التي يجتمع فيها كبار المفاوضين من كلا البلدين وجهًا لوجه على أعلى مستوى للمرة الأولى منذ العام 1979، وكانت الجولات السابقة، تأخذ الجولات غير المباشر، مثل  التواصل الأمريكي المتمثل في تهنئة بارك أوباما الرئيس الإيراني آنذاك حسن روحاني على انتخابه، والمفاوضات رفيعة المستوى في العام 2015 ما بين وزير الخارجية جون كيري ونظيره جواد ظريف في الاتفاق النووي.

ومن هنا كما توقع الخبراء، فإن فشل جولة المفاوضات الأولى بين واشنطن وطهران متوقع عدم نحاجها، خاصة أن كل طرف يعتبر نفسه الفائز من جولة الحرب الأخيرة ويريد أن يحقق مكاسب بناء عليها، كما أن هناك أسباب أخرى سبقت أجراء المفاوضات كانت كلها تشير إلى  صعوبة التوصل لاتفاق بين الطرفين في ظل التباعد بين الطرفين، وعدم استعدادهم لقطع شوط من إنهاء العداء بينهم، وكانت ذلك في عدة مؤشرات نورها في النقاط التالية، والتي تبرز .

من هي الأطراف المشاركة في المفاوضات؟
يرأس الوفد الإيراني رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي ومحافظ البنك المركزي الإيراني مع وفد قوامه أكثر من 70 شخصًا، بينما يرأس الوفد الأمريكي نائب الرئيس جيه دي فانس، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس ترامب جاريد كوشنر “لا يملك كوشنر أي منصب رسمي في إدارة ترامب”،  اللذان ترأسا المحادثات مع إيران في وقت سابق هذا العام، وأفادت مصادر باكستانية تواجد قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير ـ يذكر أن المشير كان له دور محوري في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار كما أنه يتمتع بعلاقة جيدة مع الرئيس ترامب-.

وتعتبر طهران المبعوثين الدبلوماسيين “كوشنر وويتكوف”، ماعدا فانس، غير موثقيين، لأن اللقاءات السابقة معهما كانت غير بناءة، حيث شارك كلاهما في المفاوضات التي انتهت بالغارات الجوية على طهران فجر يوم 28 فبراير، وقد اجتمع كل من قاليباف وفانس مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بشكل منفصل ظهر السبت، حيث أفاد مكتب شريف بأن إسلام آباد تتطلع إلى مواصلة التسهيل للطرفين في المفاوضات، ويذكر أن هناك اتصالات جارية بين الجانب الصيني والباكستاني، وأن الصين موافقة على المحادثات ، كما تم الحديث عن تواجد مسئولون مصريين وسعوديين وقطريين لتيسير المحادثات بشكل غير مباشر.

نقاط التفاوض بين الجانبين
وبينما يبدو أن كلا الطرفان يسعان لإنجاح المفاوضات وإنهاء الحرب، لا تزال هناك العديد من النقاط الرئيسية العالقة بين الطرفين على رأسها مضيق هرمز، والبرنامج النووي الإيراني، ودفع التعويضات عن الأضرار الناجمة عن الحرب.

ونشر كلا البلدين خطته، وتتكون خطة الجانب الإيراني من 10 نقاط منها أن تبقى طهران المسيطرة على مضيق هرمز، وانسحاب القوات الأمريكية من القواعد العسكرية في الشرق الأوسط، ومن المرجح أن تشكل كلا النقطتين إشكالية لواشنطن، لكن صرح “ترامب” بأن الخطوط العريضة تمثل أساس عملي للمفاوضات.

بينما تكونت خطة الجانب الأمريكي من 15 بندًا أرسلت إلى طهران الشهر الماضي، وعلى الرغم من عدم الإفصاح عن محتواها، إلا أنه صرح مسئولون لصحيفة “واشنطن بوست” بأن الخطة تتضمن تخفيف واسع للعقوبات مقابل إزالة جميع اليورانيوم المخصب من إيران وفرض قيود صارمة على برنامجها النووي والصاروخي بجانب مجموعة من البنود الأخرى، ويدخل كلا الطرفين المحادثات بانعدام ثقة عميق نابع من فشل المفاوضات السابقة وما ترتب عليها من ضربات على إيران دخلت أسبوعها السابع.

باكستان وسيط يغضب تل أبيب
تحافظ باكستان على علاقات دبلوماسية جيدة مع جميع الأطراف، فطالما سارت باكستان على خيط رفيع بين تحالفها مع واشنطن والروابط الثقافية والاقتصادية مع طهران، وتحاول إسلام آباد إنجاح المفاوضات لأن انهيار المفاوضات يعني سيناريو كارثي لها، لأن إسلام آباد ملزمة بالدفاع عن السعودية وفق اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين البلدين، وقد أوضحت إسلام آباد بأنها ستفي بالتزامتها تجاه الرياض، ما يعني انجرارها في حرب مع جارتها طهران التي يبلغ طول الحدود المشتركة بينهما 920 كيلو مترًا، ذلك لأن باكستان لديها توترات حدودية مع جارتيها الهند وأفغانستان، كما أنها تخوض حربين ضد تمردين واسعي النطاق في اثنين من أصل أربع ولايات، وهو ما لا يمكنها تحمله، فهي بلد ذا اقتصاد هش ـ لا يزال مشروع خط أنابيب الغاز الإيراني الباكستاني المحتمل متوقف بسبب العقوبات ـ  يعاني من الاضطرابات السياسية لسنوات طويلة، ما يجعل نجاح المفاوضات ضرورة لباكستان بالأخص وللعالم بشكل عام .

انتقد المتحدث الإسرائيلي السابق، إيلون ليفي، مصداقية باكستان، حيث رأى أن تصريحات وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف، في منشور تم حذفه لاحقًا يصف إسرائيل بعبارات متطرفة، شائن وغير مقبول، حيث تفسر تل أبيب تلك التصريحات على أنها دعوة للإبادة من قِبل دولة نووية، وذهب للتساؤل عما إذا كانت إسلام آباد محايدة، فوصفها بأنها ليست وسيط حسن النية في هذه المفاوضات، وأنها حليف لإيران تسعى لبناء تحالف إسلامي متطرف يهدد إسرائيل والهند على حد سواء.

وأدان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، الخطاب ووصفه بأنه افتراءات دموية صارخة معادية للسامية من دولة تصف نفسها بأنها وسيط سلام، ما يهدد بتقويض وقف إطلاق النار الهش من الأساس.

أين لبنان؟
لم يتم الحديث عن لبنان خلال المفاوضات بين الجانبين، بينما واصلت إسرائيل غاراتها على لبنان يوم السبت الماضي، مجددة موقفها الرافض لوقف إطلاق النار، حيث أفادت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية بشن إسرائيل عدة غارات فجر يوم السبت على جنوب البلاد، ولم ترد أي أنباء عن أي غارات لاحقة خلال اليوم.

ومن المتوقع أن تبدأ المفاوضات بين إسرائيل ولبنان يوم الثلاثاء في العاصمة واشنطن، حسبما أفاد مكتب الرئيس جوزيف عون، وتطالب تل أبيب بيروت بتحمل مسئولية نزع سلاح حزب الله وفقًا لما نص عليه اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في نوفمبر 2024، ولكن من غير الواضح ما إذا كان بإمكان الجيش اللبناني احتكار أو مصادرة الأسلحة من حزب الله، كما هددت تل أبيب بأن وقف إطلاق النار لا يشمل وقف القتال مع حزب الله.

أزمة إغلاق مضيق هرمز؟
بلغ سعر خام برنت أكثر من 94 دولار للبرميل مطلع الأسبوع الجاري بزيادة تتجاوز 30% منذ بدء الحرب، كما بدأت ضغوط جديدة في الظهورفي أوروبا تتعلق بالمسافرين، حيث حذر أوليفييه يانكوفيتش “رئيس المجلس الدولي للمطارات في أوروبا”، الاتحاد الأوروبي من احتمالية حدوث “نقص حاد في وقود الطائرات” خلال ثلاث أسابيع بسبب إغلاق مضيق هرمز، ما قد يؤثر على موسم السفر الصيفي وإلحاق ضررًا كبيرًا بالاقتصاد الأوروبي.

لم تعبر سوى 12 سفينة فقط منذ إعلان وقف إطلاق النار، وأعلنت وزارة الدفاع الأمريكية عبور سفينتين حربيتين المضيق للبدء في إزالة الألغام، بينما نفت إيران هذا الادعاء، وصرح مسئولون أمريكيون بأن من ضمن أسباب عدم مرور المزيد من السفن هو عدم تمكن إيران من تحديد مواقع جميع الألغام التي زرعتها في المضيق وإزالتها.

ما الوضع الآن؟
لم تسفر المحادثات عن أي انفراجة دبلوماسية، بل إن الطرفين خرجا ليعلنا فشل التوصل لاتفاق، ووجود قضايا غير محسومة، إلا أنه ما بين مظاهر التفاوض الظاهرية وانعدام الثقة العميق والشروط المسبقة الصارمة والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة، ويعد الجلوس على طاولة المفاوضات انتصارًا سياسيًا جزئيًا يحفظ ماء الوجه لكل الأطراف، لكن وقف إطلاق النار ليس تسوية نهائية، بل مهلة مؤقتة لتواصل العمليات القتالية في حال فشلت المفاوضات، وهناك أمال أن يجلسا الطرفين مرة أخرى في جولة مفاوضات، لمنع  انهيار وقف إطلاق النار الهش.

لكن يبقي إنشاء قناة مفاوضات مباشرة إنجازًا كبيرًا في حد ذاته، والتي من شأنها أن تؤثر على استقرار الشرق الأوسط وأمن الطاقة العالمي، ومستقبل جهود الحد من الانتشار النووي.