
سمر أبو الدهب
بين طموحات ضبط السوق وتحديات الواقع، تبرز البورصة المصرية للسلع كأداة استراتيجية لإعادة رسم خريطة التجارة الداخلية، ففي الوقت الذي يعاني فيه السوق من عشوائية التسعير وتعدد الحلقات الوسيطة، تأتي هذه المنظومة لكسر شوكة الاحتكار ودمج الاقتصاد الموازي في هيكل رسمي ورقمنته بشكل كامل، وبالرغم من أن ميلادها القانوني كان بقرار حكومي عام 2020، إلا أن عجلة التداول الفعلي لم تدر إلا في نوفمبر 2022، لتبدأ معها مرحلة جديدة تمنح الدولة اليد العليا في مراقبة المخزون وضمان وصول السلعة من الحقل إلى المائدة بأعلى جودة وأقل تكلفة.
أما القوة الفعلية لهذه المنصة فتكمن في هيكل مساهميها الذي يجمع عمالقة المال كالبنك الأهلي المصري ومصر المقاصة، وهو ما يحولها من مجرد سوق للبيع إلى قلعة رقابية توفر الحماية لصغار المنتجين والمزارعين عبر منحهم منصة تداول عادلة، ولا تتوقف الطموحات عند حدود القمح فقط، بل تمتد لتشمل سلعًا استراتيجية أخرى كالسكر والذرة والذهب، في محاولة لخلق مؤشر سعري مصري ينافس البورصات الإقليمية، ويضع حدًا نهائيًا لظاهرة تباين الأسعار التي أرهقت كاهل المستهلك المصري لفترات طويلة.
الدكتور أحمد عبد الفتاح، رئيس اللجنة الاقتصادية بمؤسسة القادة وخبير أسواق المال، قال إن تجربة البورصة المصرية للسلع تمثل خطوة محورية في ضبط إيقاع السوق، خاصة فيما يتعلق بمواجهة ظاهرة الاحتكار.
وأوضح أن البورصة لا تكتفي فقط بكونها منصة تداول، بل تعمل على تقويض الاحتكار عبر أربع آليات جوهرية؛ تبدأ بالشفافية السعرية، حيث يتم تحديد السعر عبر مزاد علني إلكتروني يراه الجميع لحظيًا، بدلاً من الغرف المغلقة، كما تساهم في كسر حلقات الوساطة المتعددة التي ترفع التكلفة بلا مبرر، وصولاً إلى توحيد معايير الجودة التي تمنع التلاعب بالمواصفات، بالإضافة إلى منع حجب السلع أو تعطيش السوق، إذ تصبح الكميات المعروضة والمخزنة مسجلة ومعلنة، مما يضيق الخناق على المضاربين.
وتابع “عبد الفتاح” أن هذا التأثير بالرغم من قوته، قد لا يلمسه المواطن بشكل مباشر وسريع كونه لا يتعامل مع البورصة بنفسه، لكنه سيشعر به تدريجيًا من خلال استقرار نسبي في الأسعار، وتقليص الفجوات السعرية الكبيرة بين المحافظات، وتلاشي القفزات المفاجئة وغير المبررة.
ومع ذلك، رهن خبير أسواق المال نجاح هذه المنظومة بحجم التداول؛ فإذا ظل التداول محدودًا سيبقى الأثر محدودًا أيضًا، معتبرًا أن المشاركة الواسعة من التجار هي الضمانة الوحيدة لخلق رقابة حقيقية وفعالة على الأسعار.
وأكد خبير أسواق المال أن البورصة السلعية تعد أداة ذكية لدمج الاقتصاد غير الرسمي تحت مظلة الدولة؛ إذ أن الاشتراطات التي تضعها المنظومة من ضرورة تسجيل المورد وإصدار فواتير رسمية والتعامل عبر حسابات بنكية ورقمنة كاملة، تجبر التاجر على دخول المنظومة الرسمية والالتزام ضريبيًا، مؤكدًا أن الإلزام وحده لا يكفي، بل نحتاج إلى حزم من الحوافز التشجيعية التي تجذب التجار طواعية للتعامل من خلال البورصة بدلاً من الهروب منها.
وفيما يخص التحديات التشغيلية، أشار إلى وجود فجوة بين النظرية والتطبيق عند اختيار السلع؛ فبينما نظن أن كل شيء قابل للإدراج، إلا أن الواقع يفرض شروطًا صارمة تتعلق بقابلية السلعة للتخزين وثبات مواصفاتها، فبينما نجد أن البطاطس نموذج مثالي لإمكانية تخزينها، نجد أن لطماطم تمثل تحديًا كبيرًا لسرعة تلفها وعدم تجانس جودتها، وإن كان من الممكن في المستقبل اللجوء لآليات العقود الآجلة للتحوط من تقلب أسعارها.
ويرى أن البورصة السلعية إذا ما تم تفعيلها بدورها الواسع، سوف تكون صمام أمان لضبط التضخم ودمج الاقتصاد الموازي، لكن هذا النجاح يظل مشروطًا بتعاظم حجم التداول والتزام الجهات الحكومية بطرح كميات كافية، والأهم من ذلك انضمام كبار التجار للمنظومة لضمان فاعلية الدور المستهدف منها على أرض الواقع.
صغار المزارعين يترقبون طوق النجاة
وعلى الجانب الآخر، ومن قلب الأراضي الزراعية بمحافظة المنوفية، قال مجدي مهران، مُزارع، إن المُزارع الذي يعتمد على مساحات محدودة كفدانين من محصول البطاطس يجد نفسه الحلقة الأضعف أمام سطوة الوسطاء، موضحًا أن الفلاح يبيع كيلو البطاطس حاليًا من أرضه بسعر لا يتجاوز 8 أو 9 جنيهات، في حين يصل للمستهلك النهائي في الأسواق بـ 15 جنيهًا؛ مما يعني أن حلقات التداول تلتهم ما يقرب من 40% إلى 50% من قيمة المحصول دون تحمل مخاطر الزراعة أو تكاليف الأسمدة التي ترهق كاهل المزارع.
وأشار إلى أن استفادة المزارع الصغير من البورصة السلعية في حال إدراج محصول كالبطاطس رسميًا في جداولها تكمن في كسر هذه السلسلة من السماسرة؛ إذ أن وجود سعر معلن يضمن له الحصول على قيمة عادلة وحقيقية ويقلل من نسب الفاقد التي تضيع بسبب سوء التخزين التقليدي، مشيرًا إلى أن فارق السعر الذي يضيع في جيوب الوسطاء أولى به المزارع لضمان استمراريته، وأيضًا المواطن لتخفيف عبء المعيشة عنه.
وأعرب “مهران” عن تخوفاته من فجوة الإمكانيات؛ حيث يخشى هو وغيره من صغار المزارعين من تعقيدات الإجراءات البتكية التي قد تفوق قدراتهم، أو أن تقتصر مزايا البورصة على كبار المستثمرين الذين يمتلكون أساطيل نقل ومخازن عملاقة، بينما يظل المزارع البسيط عاجزًا عن توريد كميات محدودة وفق الاشتراطات الصارمة للجودة التي تطلبها البورصة.
واقترح تفعيل دور الجمعيات الزراعية لتكون مراكز تجميع معتمدة ومجهزة بموازين رقمية مرتبطة بالبورصة مباشرة، بحيث يستطيع المزارع توريد محصوله ببطاقته الشخصية، مع توفير سيارات نقل مجهزة لتقليل الهالك، معتبرًا أن الحافز المادي السريع عند التوريد هو الضمان الوحيد لجذب الفلاح للدخول في المنظومة الرسمية.