
أشرف أمين
منذ سنوات، أصبح الحديث عن جيل Z، وهم الشباب الذين ولدوا تقريبًا بين 1997 و2012 يشغل بال كثير من المحلّلين السياسيين والإعلاميين، هذا الجيل يتميز بكونه الأكثر ارتباطًا بالفضاء الرقمي: الإنترنت، وسائل التواصل الاجتماعي، والهواتف الذكية، فهم يشكلون شريحة مهمة للتغيير الاجتماعي والسياسي، وقد يكون استقطابهم من خلال محتوى سياسي عصري مفتاحًا لتعزيز المشاركة الحزبية السياسية في المستقبل، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل تستثمر الأحزاب السياسية في مصر هذا الإمكان الرقمي لاستهداف جيل Z؟.
من هو جيل Z؟
جيل Z، أو ما يُعرف أحيانًا بـ “سناب/إنستجرام تينيجرز” أو “digital natives”، هم أولئك الذين نشأوا في بيئة رقمية، تكنولوجيا الإنترنت والهواتف الذكية كانت موجودة في حياتهم منذ صغرهم.
يختلف سلوكهم الإعلامي كثيرًا عن الأجيال السابقة، هم أكثر ميلاً إلى المحتوى المرئي (فيديوهات قصيرة على تيك توك ويوتيوب)، أقل اهتمامًا بالتلفزيون التقليدي، وأكثر تفاعلاً مع المحتوى التفاعلي والمُستخدَم لتخصيص الرسالة حسب الاهتمامات، لديهم توقعات عالية من المحتوى، لا يكتفون برسالة حزبية تقليدية، بل يريدون محتوى يعكس قضاياهم مثل التعليم، العمل، التغير المناخي، الحرية الرقمية، العدالة الاجتماعية.

7 ملايين ناشط على الفيس بوك
ووفق تقرير Crowd Analyzer 2024، يوجد نحو 7 ملايين من جيل Z (العمر من 13 إلى 25 سنة) نشطون على فيسبوك في مصر، بالإضافة إلى حوالي 4.3 مليون منهم نشطون على إنستجرام، وما يقرب من 3.1 مليون يستخدمون سناب شات.
كما أظهرت بيانات من Arab Finance أن عدد مستخدمي إنستجرام في مصر وصل إلى 19 مليون، غالبية هؤلاء من فئة 13-25 سنة، مما يؤكد أن جيل Z يمثل شريحة أساسية على المنصة.

توجيه المحتوى نحو جيل Z
ومن جانبه، أوضح يوسف الورداني، مساعد وزير الشباب والرياضة سابقا والباحث في دراسات الشباب ومكافحة التطرف، أن رغم وجود نشاط حزبي رقمي، لم تُشِر الأبحاث الحديثة إلى استراتيجية موجهة بوضوح لجيل Z فقط فالدراسات تركز غالبًا على “الشباب” كفئة عامة دون تفريق دقيق بين أجيال Y وZ، مما يجعل من الصعب تقييم ما إذا كانت الأحزاب تنتج محتوى مصممًا خصيصًا لاهتمامات جيل Z العصري (مثل القضايا البيئية، التوظيف الرقمي، الاقتصاد المستقبلي).
وأضاف “الورداني”، في تصريحات لـ”ليبرالي”، أن كثير من المحتوى الحزبي الرقمي الحالي لا يتناسب مع أسلوب تفاعل جيل Z (فيديوهات قصيرة، رئاسات خفيفة، حملات تفاعلية)، مشيرًا إلى أن بعض الأحزاب تعتمد على المنشورات التقليدية (نصوص، صور) أكثر من إنتاج فيديو قصير أو تنشيط محتوى تفاعلي يُحفّز المشاركة الحقيقية بين الشباب.

وأكد مساعد وزير الشباب والرياضة سابقًا، أن إعداد محتوى رقم Z-موجّه يتطلب قدرة تنظيمية داخل الحزب (فريق إعلامي رقمي، فهم لمنصات الشباب، أدوات تحليل زمني، معرفة الاستخدامات الرقمية)، مضيفًا أن ليس كل الأحزاب تمتلك هذه البنية أو الرغبة في الاستثمار فيها، خاصة الأحزاب الصغيرة أو التقليدية.

الاستراتيجية الرقمية غير كافية
وأشار “الورداني”، إلى أن كثير من الأحزاب تتعامل مع “الشباب” كمجموعة موحدة دون التمييز بين الأجيال المختلفة (جيل Y، جيل Z، هذا قد يجعل المحتوى أقل فعالية في مخاطبة فئة لها خصائص رقمية وثقافية فريدة، متابعًا: أن المحتوى الحزبي الرقمي الحالي غالبًا ما يكون تقليديًا (منشورات نصية، صور، بيانات)، وليس محتوى مُصمَّمًا لطرائق تفاعل جيل Z (ريدارات القصص، الفيديوهات القصيرة، المحتوى الفيروسي، البث المباشر، البودكاست).
وأردف الباحث المتخصص في دراسات الشباب ومكافحة التطرف، أن بعض الأحزاب تفتقر إلى فريق رقمي متخصص (سوشيال ميديا، صانع محتوى، تحليل بيانات). بدون هذا التخصص، من الصعب إنتاج محتوى رقمي قوي وجذاب يناسب الاستخدامات اليومية للشباب الرقمي، مؤكدًا أن حتى عند وجود محتوى من الأحزاب، قد لا يكون لدى الكثير من جيل Z ثقة كافية في الأحزاب التقليدية لمتابعة المحتوى السياسي أو المشاركة فيه، خاصة إذا شعروا أن الرسالة ليست موجهة إليهم بشكل حقيقي أو شخصي.

تحسين استهداف جيل Z
واستطرد “الورداني”: “إذا أرادت الأحزاب السياسية المصرية فعلاً استقطاب جيل Z رقمياً، عليها إنتاج فيديوهات قصيرة (تيك توك، Reels)، بث مباشر، بودكاست يناقش قضايا تهم جيل Z مثل التوظيف، حرية الإنترنت، mental health، التغير المناخي”، مؤكدًا على أهمية تعيين أو تدريب شباب من جيل Z ضمن الأحزاب على إدارة وسائل التواصل، تصميم المحتوى، تحليل التفاعل، بحيث تكون الرسالة أكثر صدقية ومناسبة للجيل.
وتابع: “على الأحزاب تنظيم تحديات، استطلاعات، مسابقات رقمية، Q&A، جلسات مع قادة الحزب عبر الإنترنت لخلق حوار تفاعلي وليس مجرد خطاب من أعلى إلى أسفل”، مشيرًا إلى وجوب التعاون مع مؤثرين محليين من جيل Z لديهم مصداقية مع أقرانهم؛ يمكنهم نقل الرسالة الحزبية بطريقة أكثر جذبًا وشفافية.
ونصح “الورداني”، باستخدام التحليلات الرقمية (analytics) لفهم أي نوع من المحتوى يلقى صدى لدى جيل Z، وتعديل الاستراتيجية باستمرار بناءً على البيانات، لافتًا إلى أهمية إشراك شباب من داخل الحزب في وضع الرسائل، اختيار المواضيع، بناء الحملات الرقمية؛ هذا يعطيهم ملكية ويزيد من مصداقية المحتوى بينهم وبين أقرانهم.
الأحزاب والبرامج التقليدية
جيل Z في مصر يمثل فئة شابة مهمّة جدًا من الناحية السياسية، نظرًا لاتصالهم الوثيق بالتكنولوجيا الرقمية ووسائل التواصل.
الأحزاب السياسية في مصر لديها بعض التواجد الرقمي، وتستخدم صفحاتها على السوشيال ميديا للتواصل مع الشباب، لكن غالبًا بالمحتوى التقليدي وليس الموجّه خصيصًا لأسلوب وتفضيلات جيل Z.
هناك فجوة استراتيجية واضحة، لأن الأحزاب بحاجة إلى تقديم محتوى مخصص، تفاعلي، عصري، وبناء فريق رقمي قوي إذا أرادت جذب هذا الجيل، ويمكن تحسين هذه الاستراتيجية، أن يسهم في زيادة مشاركة جيل Z في العمل الحزبي والسياسي، وإحياء التمثيل الحزبي بشكل أكثر تمثيلاً لآمال ومشاكل الشباب المعاصر.