
نهاد شعبان
في كل عام مع قدوم عيد الفطر المبارك، تظهر واحدة من أقدم العادات الغذائية، حيث يحتل الفسيخ والرنجة والسردين صدارة الموائد، رغم كل ما يحيط بهم من جدل صحي لا ينتهي، وبين عشق الأسر لهذه الأطعمة وتحذيرات الأطباء، يظل “بيزنس الفسيخ” واحدًا من أكثر المواسم رواجًا، خاصة في عدد من المحافظات التي تحولت إلى مراكز رئيسية لصناعته، حيث تعود صناعة الفسيخ إلى آلاف السنين، وعرفها المصري القديم كوسيلة لحفظ الأسماك، خاصة البوري، باستخدام الملح والتخمير، ومع مرور الزمن، تحولت من مجرد وسيلة حفظ إلى طقس اجتماعي وثقافي يرتبط بالاحتفالات كعيد الفطر وشم النسيم.

وتعتمد صناعة الفسيخ في الأساس على اختيار أسماك طازجة بعناية، ثم تنظيفها جزئيًا، وتمليحها بكميات كبيرة، وتركها في “براميل” مغلقة لفترة تتراوح بين أسبوعين إلى شهر، حتى تكتسب الطعم والرائحة المميزة، أما الملوحة، فهي تشبه الفسيخ لكنها تُصنع غالبًا من أسماك أكبر حجمًا، وتُملح لفترة أطول، ما يجعلها أكثر حدة في الطعم.

أشهر مراكز الإنتاج
تتركز صناعة الفسيخ في عدد من المدن الساحلية والدلتا، والتي يمتلك أبناؤها خبرة طويلة في هذا المجال، وتأتي على رأسها مدينة نبروه في محافظة الدقهلية والتي تُعرف بـ “قلعة الفسيخ”، وأيضًا مراكز سيدي سالم ودسوق في محافظة كفر الشيخ، ومدينة رشيد في البحيرة، حيث تنتشر الورش والمصانع الصغيرة التي توارثت المهنة جيلًا بعد جيل، وتعتمد هذه المراكز على قربها من بحيرة البرلس، وكثرة المزارع السمكية بها، كما أن لها تاريخ طويل في تمليح الأسماك، وأيضًا تشتهر بعض مناطق الصعيد بصناعة الملوحة، خاصة في أسوان وقنا، ولكن مع اختلاف طرق التحضير.

الفسيخ vs الملوحة.. صراع الأذواق
لا يقتصر الأمر على مجرد طعام فقط، بل يتحول أحيانًا إلى “معركة ذوق” بين أفراد الأسرة الواحدة، وأيضًا قد يتحول الأمر إلى صراع بين أبناء الوجه البحري والصعيد، فبينما يفضل “الفلاحون” الفسيخ بطعمه الأقل حدة نسبيًا، يميل “الصعايدة” إلى الملوحة ذات الطعم القوي والملوحة المرتفعة، ويعتبر هذا الاختلاف انعكاسًا للبيئة والعادات الغذائية، حيث ترتبط الملوحة بالمناطق الحارة التي تحتاج إلى حفظ أطول، بينما انتشر الفسيخ أكثر في مناطق الدلتا القريبة من مصادر الأسماك الطازجة.

السردين.. بديل شعبي
وبجانب الفسيخ والملوحة، يحجز السردين مكانه على المائدة، باعتباره الخيار الأقل تكلفة والأكثر أمانًا نسبيًا، حيث يتم تمليح السردين بطريقة أخف، ما يجعله مناسبًا لشريحة أوسع من المستهلكين، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الفسيخ خاصة في أوقات المواسم.

بيزنس بالملايين
يعيش حاليًا سوق الفسيخ والرنجة انتعاشًا كبيرًا قبل ساعات من حلول عيد الفطر، حيث ترتفع المبيعات بشكل ملحوظ، ويحقق التجار أرباحًا ضخمة خلال فترة قصيرة، ويبدأ الاستعداد للموسم قبل أسابيع، مع زيادة الإنتاج وتخزين كميات كبيرة لتلبية الطلب، ورغم وجود مصانع كبيرة، إلا أن جزءًا كبيرًا من السوق لا يزال يعتمد على الورش الصغيرة والصناعة اليدوية، وهو ما يثير العديد من المخاوف التي تتعلق بالرقابة وجودة المنتج.

بين الفائدة والضرر
على الجانب الصحي، يوضح بعض الأطباء أن الأسماك المملحة تحتوي على بروتينات وأحماض دهنية مفيدة، وقد تساهم في دعم المناعة إذا تم تناولها بكميات معتدلة، لكن في المقابل، يحذر أطباء أخرون من مخاطر كبيرة، أبرزها التسمم الغذائي الناتج عن سوء التخزين أو التحضير، خاصة ما يُعرف بتسمم “البوتيوليزم”، وهو نوع خطير قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة تصل إلى الوفاة، كما أن نسب الملح المرتفعة تجعل هذه الأطعمة غير مناسبة لمرضى الضغط والقلب والكلى، وقد تؤدي إلى احتباس السوائل وارتفاع ضغط الدم، ورغم التحذيرات المتكررة كل عام، تواصل الأسر شراء وتناول الفسيخ والملوحة، وهو ما يفسره البعض بارتباط هذه الأطعمة بالهوية الثقافية والذاكرة الجماعية، حيث تمثل جزءًا من طقوس الاحتفال والتجمعات العائلية، كما يلعب “المزاج” دورًا مهمًا، فالكثيرون يعتبرون طعم الفسيخ تجربة لا يمكن تعويضها، حتى مع إدراكهم للمخاطر، لذا يُفضل شراء الفسيخ والرنجة من أماكن موثوقة، والتأكد من سلامة الرائحة والملمس، مع تجنب المنتج مجهول المصدر، كما يُفضل تناول كميات محدودة، مع الإكثار من الخضراوات مثل البصل والخس، وشرب كميات كافية من المياه.