فجوة الـ 50.8 مليار دولار وتحدي الـ 54 جنيهًا.. هل تطيح الأزمات الجيوسياسية بقطار الشراكات الدولية؟​

​تواجه الشراكات الدولية في مصر حاليًا اختبارًا صعبًا أمام حالة من عدم اليقين الاقتصادي؛ فبينما تسعى الدولة لجذب استثمارات أجنبية مباشرة تصل إلى 42 مليار دولار خلال عام 2026، تبرز الأزمات الجيوسياسية بين إيران وأمريكا وإسرائيل كعائق أول يهدد الأسواق الناشئة، وهو ما دفع سعر صرف الدولار للقفز نحو مستويات الـ 54 جنيهًا في الفترة الأخيرة، مما قد يربك حسابات الشركاء الدوليين ويزيد من تكلفة التحوط.
وتتقاطع ​هذه الضغوط الخارجية مع أزمات داخلية حادة، أبرزها الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود بنحو 3 جنيهات دفعة واحدة، والمتوقع أن تتسبب في موجة تضخمية تزيد من تكاليف الإنتاج واللوجستيات، وهو ما يضع طموحات “توطين الصناعة” ورؤية 2030 في مواجهة مباشرة مع واقع يضغط على القوة الشرائية ويزيد من مخاوف المستثمرين من تآكل الأرباح قبل بدء المشروعات.

​فجوات تنظيمية وعراقيل في ظل غياب الحياد التنافسي
​وفي ذلك يرى الدكتور خالد الشافعي، رئيس مركز العاصمة للدراسات والأبحاث الاقتصادية، أن هناك فجوات تنظيمية لا تزال تعرقل استعادة الثقة المفقودة، مؤكدًا أن تفعيل “الرخصة الذهبية” وحده لا يكفي في ظل غياب الحياد التنافسي الكامل؛ إذ لا يزال المستثمر الأجنبي يخشى منافسة الكيانات التابعة للدولة، وهو ما يتطلب تفعيلًا حقيقيًا وبجدول زمني معلن لوثيقة ملكية الدولة لضمان بيئة عمل عادلة.

​وأشار الشافعي إلى أن استمرار هذه الفجوات، بالإضافة إلى عدم وضوح السياسة الضريبية وتغيرها المفاجئ، يمثل مغناطيسًا طاردًا للاستثمار الجاد، مطالبًا بضرورة تثبيت التشريعات الضريبية لمدة تتراوح بين 5 إلى 10 سنوات كشرط أساسي لمنح المستثمر الأمان اللازم للاستمرار في السوق المحلي.

اشتراطات قاسية لمواجهة الأموال الساخنة
​وحذر رئيس مركز العاصمة من المراهنة على التدفقات المالية العابرة أو الأموال الساخنة التي تخلق انتعاشًا مؤقتًا لكنها تترك الاقتصاد مكشوفًا أمام الصدمات الخارجية، كما طالب بضرورة اشتراط نسب مكون محلي مرتفعة لا تقل عن 60% في المشروعات المشتركة لضمان بناء قاعدة إنتاجية حقيقية، وربط الحوافز بمدى مساهمة الشريك الأجنبي في تطوير سلاسل القيمة المضافة ورفع كفاءة المصانع المحلية المغذية.

سباق مع الديون والتضخم
​وأشار إلى أن الوصول لمستهدف الـ 42 مليار دولار يصطدم بصخرة الالتزامات الدولية؛ حيث تواجه مصر ديونًا خارجية مستحقة السداد تبلغ حوالي 50.8 مليار دولار في الفترة حتى سبتمبر 2026، في الوقت الذي سجل فيه التضخم الأخير في فبراير الماضي نحو 13.4%.

وأوضح أنه ​رغم توقعات صندوق النقد الدولي بانخفاض الفجوة التمويلية الخارجية إلى 5.8 مليار دولار للسنة المالية 2025/2026، إلا أن الواقع النقدي وضغوط سعر الصرف يتطلبان جراحة عاجلة لتوفير السيولة الدولارية للمصانع دون إبطاء، إذ أنه بدون حلول جذرية للعراقيل الهيكلية واستقرار السياسات النقدية، ستظل الشراكات الدولية مجرد أرقام في التقارير لا تنعكس على قوة الاقتصاد القومي أو حياة المواطن الذي يئن تحت وطأة الارتفاعات المتتالية للأسعار.