كثافة الفصول وصلت لـ٧٠ طالبًا.. عجز المدرسين في مدارس الحكومة يهدد العملية التعليمية

أشرف أمين

تتعرض المنظومة التعليمية في مصر لأزمة كبيرة  خلال السنوات الأخيرة، والتي تتمثل في عجز بأعداد المعلمين مقارنة بالزيادة المستمرة في أعداد الطلاب، وهو ما ينتج عنه فجوة واسعة داخل أروقة المدارس، لاسيما الحكومية، وظهرت الأزمة بشكل جلي خلال العام الدراسي الحالي 2026 في العديد من المدارس التي تعمل دون وجود معلمين متخصصين في بعض المواد، واضطرار إدارات المدارس لتوزيع المعلمين المتاحين على أكثر من جدول أو تكليفهم بتدريس مواد ليست ضمن تخصصاتهم.

معاناة أولياء الأمور
وتشير شهادات أولياء الأمور إلى أن أبناءهم يعانون من نقص واضح في جودة الشرح والاستيعاب داخل الفصول، حيث تقول نسرين محمود، ولية أمر لطالب في الصف الثاني الإعدادي، إن ابنها ظل طوال الفصل الدراسي الأول دون معلم ثابت لمادة العلوم، مضيفة:” المدرسة كانت بتقول إن مفيش معلم متوفر، وبعدها كانوا يدّونا ورق تجميعي من الإنترنت، ابني مفهمش المنهج واضطرينا ناخد درس خصوصي”.

وتؤكد إدارات مدرسية في الجيزة والقليوبية والفيوم أن جدول الحصص أصبح في بعض الأحيان “لغزًا صعبًا”، بسبب دمج حصص مواد معينة أو الاستعانة بمعلمين مكلفين من إدارات أخرى، ومع زيادة الكثافة الطلابية، أصبح المعلم يتحمل أعدادًا كبيرة لا تتناسب مع قدرته على ضبط الفصل أو تقديم الشرح المناسب.

أراء الخبراء في الأزمة
يرى الخبير التربوي الدكتور حسن شحاتة، أن جذور أزمة العجز تعود إلى توقف التعيينات لسنوات طويلة، قائلاً إن:” الاحتياج السنوي الحقيقي يتراوح بين 30 إلى 40 ألف معلم، بينما لم تقم الدولة بتعيينات منتظمة منذ سنوات، وهذا خلق فجوة تجاوزت 200 ألف معلم”.

وأوضح “شحاتة” أن اعتماد وزارة التعليم على نظام التطوع أو التعاقد المؤقت لم يكن حلاً جذريًا، بل أدى إلى دخول عناصر قليلة الخبرة وغير مدربة بالشكل الكافي، مؤكدًا أن:” المعلم المتطوع لا يملك الاستقرار الوظيفي، مما يترتب عليه التعامل مع التدريس كمرحلة مؤقتة،مما يؤثر على جودة الأداء”.

من جانبه، يشير الخبير التعليمي عاصم حجازي، إلى أن الأزمة ليست فقط في قلة الأعداد، بل في سوء توزيع المعلمين بين المحافظات والتخصصات، موضحًا أن هناك فائضًا في تخصصات مثل الرياضة واللغة العربية في بعض المحافظات، يقابله عجز شديد في تخصصات مثل العلوم والرياضيات في محافظات أخرى، واقترح لحل الأزمة إنشاء قاعدة بيانات مركزية تُحدّث دوريًا لضمان توجيه المعلمين إلى المناطق الأكثر احتياجًا.

ويرى الخبير التربوي، أن الأزمة ترجع إلى نتيجة غياب نظام واضح لتخطيط القوى البشرية في التعليم”، مضيفًا:” لا يوجد نموذج دقيق لحساب الاحتياجات الفعلية وفق الكثافات والتركيبة السكانية نحن نعمل برد الفعل، ، وليس بخطة طويلة المدى”.

 تأثير الأزمة على الطلاب والمدارس
أدت أزمة العجز إلى ازدحام الفصول، حيث وصل عدد الطلاب في بعض المدارس إلى أكثر من 70 طالبًا، وهو ما يجعل السيطرة على الفصل شبه مستحيلة، كما انخفضت جودة الشرح، وزادت معدلات الاعتماد على الدروس الخصوصية.

معلمة رياضيات بإحدى مدارس حدائق الأهرام أوضحت قائلة :” أدرس لسبع فصول يوميًا، وكل فصل فوق 60 طالبًا، طبيعي الطالب ما يستفيدش، وأنا بأشرح تحت ضغط كبير”، مضيفة أن غياب معلم المادة في بعض الفصول يدفع الإدارة إلى “دمج مجموعتين معًا” أو الاكتفاء بحصص نشاط غير مرتبطة بالمنهج.

كما أثرت الأزمة على الخدمات الطلابية، فالأخصائي الاجتماعي يتولى أحيانًا مهام إشرافية بسبب نقص المدرسين، ما جعل دور الدعم النفسي والتربوي شبه غائب.

 الحلول المقترحة

يرى الخبراء أن الحل يبدأ من تعيين دفعات سنوية ثابتة تلبي الاحتياج الفعلي، مع تدريبهم على المناهج الحديثة وطرق التقييم الجديدة، كما يجب إعادة النظر في توزيع المعلمين، وتحفيز المعلمين على الانتقال إلى المحافظات ذات العجز عبر بدلات مادية أو ميزات وظيفية.

ويوصي الخبير التربوي الدكتور تامر شوقي، بضرورة الاستثمار في تدريب المعلمين الحاليين قبل طرح أي تطوير للمناهج، قائلا:” من غير وجود معلم مؤهل لا يمكن النجاح في أي تغيير”.

وتظل أزمة العجز من أكبر التحديات التي تواجه التعليم في مصر، ولا يمكن تجاوزها دون خطة شاملة تجمع بين التعيين، والتدريب، وتحسين بيئة العمل، وضبط التوزيع الجغرافي، فالمعلم هو محور العملية التعليمية، وأي تطوير لابد أن يبدأ بسد العجز.