
يواجه الجنيه المصري ضغوطًا متصاعدة مع مطلع شهر أبريل 2026، مدفوعًا بتفاقم حدة التوترات الجيوسياسية واتساع رقعة الصراع الإقليمي الذي ألقى بظلاله على استقرار سوق الصرف، وتتزايد التكهنات حول مسار الدولار في ظل تضرر الموارد السيادية من العملة الصعبة، وتصاعد موجات نزوح الاستثمارات الأجنبية، وسط ترقب لإجراءات نقدية توازن بين كبح جماح التضخم وتوفير السيولة اللازمة للقطاعات الاستراتيجية.
وفي ذلك، قال الخبير المصرفي، الدكتور رمزي الجرم، أنه على خلفية زيادة حدة التوترات الجيوسياسية والنزاعات المسلحة وتداعياتها السلبية على كافة الاقتصادات العالمية، بسبب ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي والسلع الزراعية الأساسية، نتيجة تعطل سلاسل الإمداد العالمية بشكل غير مسبوق، وخصوصًا بعد غلق مضيق هرمز الذي يمر منه أكثر من 20% من التجارة العالمية، من المؤكد أن تدفع أسعار صرف الدولار الأمريكي مقابل الجنيه المصري للارتفاع، بعد استقرار استمر نحو عامين تقريبًا.
وأشار الجرم إلى أن ارتفاع سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الجنيه المصري، والذي تجاوز حاجز 54 جنيه للدولار الواحد، كان مدفوعًا بارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي والسلع الغذائية المستوردة، والتي تضغط على موارد النقد الأجنبي بشكل كبير للغاية من جهة، وانخفاض موارد النقد الأجنبي المُتمثلة في عائدات السياحة ورسوم المرور في قناة السويس وانخفاض الطلب على الصادرات المصرية للخارج والتي كانت تساهم بنسبة كبيرة في تغذية موارد النقد الأجنبي من جهة أخرى، بالإضافة الى عدم وجود احتمالات بتدفق استثمارات اجنبية جديدة، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة.
توقعات باستمرار خروج الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة
وتوقع الخبير المصرفي خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة في أدوات الدين الحكومية، مؤكدًا أن هذا التطور لم يكن مسئولًا بشكل اساسي عن حدة الأزمة الحالية، على خلفية خروج نحو 7 مليارات دولار منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، حيث تم تعويض جزء كبير من هذه القيمة في صورة تدفقات جديدة من الأموال الساخنة، على خلفية ان الأزمة الحالية، تُعد ازمة عالمية افرزت العديد من التحديات الشديدة على كافة الاقتصادات العالمية.
ولفت إلى أنه على الرغم من أن ارتفاع سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الجنيه المصري له تداعيات سلبية عديدة على الاقتصاد المصري، إلا أن هذا التطور يكبح جماح نزوح جزء كبير من الأموال الساخنة خارج البلاد، نظرًا لأن سلوك المستثمر نحو النزوح من السوق المحلي يتغير مع أي ارتفاع في سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الجنيه المصري، من منطلق حصول المستثمر على كمية أقل من العملة الصعبة في هذه الحالة.
وأوضح أن استمرار حدة التوترات الجيوسياسية وتعطل سلاسل الإمداد قد تؤدي إلى ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه المصري إلى حدود 60 جنيه للدولار الواحد.
في سياق متصل، قالت الخبيرة المصرفية، الدكتورة بسمة سليم، إن مسار سعر صرف الدولار خلال شهر أبريل 2026 سيظل رهينًا بمدى استمرار وتيرة التصعيد العسكري في المنطقة، متوقعة أن يتحرك السعر في نطاق تذبذب يتراوح ما بين 53 و56 جنيهًا للدولار الواحد، خاصة بعد أن سجل السعر الرسمي في البنوك مطلع أبريل نحو 53.50 جنيهًا، وهو ما يمثل تراجعًا في قيمة الجنيه بنسبة تقترب من 14% منذ اندلاع شرارة الصراع الإقليمي في أواخر فبراير الماضي.
وأكدت أن الضغط الأكبر والشرارة الأولى لهذا الارتفاع تكمن في الهروب السريع للأموال الساخنة؛ حيث تشير التقديرات المصرفية إلى خروج تدفقات نقدية من استثمارات الأجانب في أدوات الدين بنحو 4.4 مليار دولار خلال شهر مارس فقط، مما خلق طلبًا مفاجئًا وعنيفًا على السيولة الدولارية في السوق الرسمية تحت مظلة سياسة سعر الصرف المرن التي يتبعها البنك المركزي المصري.
تراجع الموارد السيادية وضغوط الطاقة
ولفتت الخبيرة المصرفية إلى أن الأزمة لا تتوقف عند تخارج الاستثمارات غير المباشرة فحسب، بل تمتد لتشمل ضغوطًا هيكلية ناتجة عن تراجع الموارد السيادية المستدامة، وفي مقدمتها إيرادات قناة السويس التي تأثرت بشكل مباشر باضطراب الملاحة في البحر الأحمر، جنبًا إلى جنب مع التباطؤ النسبي في حجوزات السياحة الوافدة نتيجة مخاوف اتساع رقعة المواجهة الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية.
وأوضحت سليم أن هناك عاملًا خفيا يفاقم من حدة الأزمة، وهو القفزة الكبيرة في أسعار النفط العالمية التي تجاوز فيها خام برنت حاجز 111 دولارًا للبرميل بينما سجل اليوم 105 دولارًا للبرميل، مما يضع عبئًا إضافيًا على الموازنة العامة لتأمين فاتورة استيراد الطاقة، خاصة مع تراجع صادرات الغاز المسال المصرية وتوجيهها لتلبية الاستهلاك المحلي المتزايد.
سيناريوهات الاستقرار وأدوات المواجهة
وأشارت سليم إلى أن استقرار السوق خلال النصف الثاني من أبريل سيعتمد بشكل كلي على قدرة القطاع المصرفي على جذب تدفقات بديلة، سواء من خلال تحويلات المصريين بالخارج أو تفعيل أدوات نقدية جديدة، محذرة من أن بقاء التوترات الچيوسياسية عند مستواها الحالي قد يدفع الدولار لاختبار مستويات قياسية جديدة فوق حاجز الـ 55 جنيهًا.