من “كفاية” إلى “تمرد”.. كيف شكّلت الحركات الاحتجاجية ملامح السياسة المصرية في الألفية الثالثة؟

صورة مخلقة بالذكاء الاصطناعي

على مدار العقدين الأولين من الألفية الثالثة، شهدت مصر موجات متتالية من الحراك السياسي والاجتماعي، قادتها حركات احتجاجية لعبت دورًا محوريًا في إعادة تشكيل المجال العام، وفتحت مساحات جديدة للتعبير السياسي، من حركة “كفاية” التي كسرت حاجز الصمت، إلى “6 أبريل” التي راهنت على الشباب والتكنولوجيا، وصولا إلى “جبهة الإنقاذ” التي أعادت صياغة المعارضة في لحظة مفصلية، تتكشف ملامح مرحلة ثرية بالتقلبات والتحولات، وحملة تمرد التي طالبت بسحب الثقة من “مرسي” والدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة.
“كفاية”.. الصرخة الأولى ضد التوريث

صورة مخلقة بالذكاء الاصطناعي

تُعد حركة “كفاية”، أو “الحركة المصرية من أجل التغيير”، التي تأسست عام 2004، واحدة من أبرز الحركات الاحتجاجية التي دشّنت مرحلة جديدة من المعارضة السياسية في مصر، رفعت الحركة شعار “لا للتمديد.. لا للتوريث”، في إشارة مباشرة إلى رفض استمرار حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، ورفض أي سيناريو لتوريث السلطة.
تميزت “كفاية” بكونها حركة عابرة للأيديولوجيات، ضمت أطيافًا سياسية متنوعة من اليسار والليبراليين والإسلاميين، ما منحها زخمًا واسعًا، كما كسرت تقاليد العمل السياسي التقليدي، من خلال تنظيم وقفات احتجاجية في أماكن عامة، أبرزها وسط القاهرة، وهو ما كان نادرًا في ذلك الوقت.
في عام 2005، نظمت “كفاية” سلسلة من الوقفات الاحتجاجية في وسط القاهرة، تزامنًا مع الانتخابات الرئاسية، ورفعت شعارات ضد حسني مبارك بشكل مباشر، ومن 2006 حتى 2010 نظمت الحركة عشرات الاحتجاجات، الأمر الذي ساهم في كسر حاجز الخوف لدى المواطنين، وخلق خطاب سياسي جديد ومهد المسار أمام ثورة 25 يناير.
ضمت الحركة رموز وطنية رفيعة أبرزهم، جورج إسحاق، عبد الوهاب المسيري، عبد الحليم قنديل، وكمال أبو عيطة.

يمكن القول إن حركة كفاية لعبت دورًا تأسيسيًا مهمًا في تمهيد الطريق لظهور حركة 6 أبريل، حيث كسرت الأولى حاجز الخوف من التظاهر والاحتجاج العلني في الشارع المصري منذ منتصف العقد الأول من الألفية، وطرحت شعارات غير مسبوقة ضد التمديد والتوريث، ما ساهم في خلق مناخ سياسي جديد أكثر جرأة، هذا المناخ أتاح لجيل أصغر من النشطاء، الذين تأثروا بتجربة “كفاية”، أن يطوروا أدواتهم وأساليبهم، خاصة عبر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما تجسد لاحقًا في “6 أبريل” التي نجحت في توسيع دائرة الحشد الشعبي وتنظيم الاحتجاجات بشكل أكثر ديناميكية، لتصبح امتدادًا طبيعيًا وتطورًا نوعيًا للحراك الذي بدأته “كفاية”.


برزت حركة “6 أبريل” كأحد أبرز تجليات الحراك الشبابي في مصر مع تصاعد دور الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث تأسست عام 2008 دعمًا لإضراب عمال شركة غزل المحلة، قبل أن تتحول إلى منصة سياسية شبابية واسعة، حيث قاد مجموعة من الشباب، أبرزهم أحمد ماهر، ومحمد عادل، وإسراء عبد الفتاح، حملة دعم للإضراب عبر موقع “فيسبوك”، وهو ما كان سابقة في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كأداة للحشد السياسي.
اعتمدت الحركة على أدوات جديدة في التنظيم والحشد، مثل “فيسبوك” و”تويتر”، وهو ما مكّنها من الوصول إلى شريحة كبيرة من الشباب، كما لعبت دورًا بارزًا في الدعوة إلى الاحتجاجات التي اندلعت في ثورة 25 يناير 2011، والتي أسفرت عن تنحي حسني مبارك بعد نحو ثلاثة عقود في الحكم.
بلغت ذروة تأثيرها مع مشاركتها الفعالة في الدعوة إلى احتجاجات ثورة 25 يناير 2011، التي انتهت بتنحي حسني مبارك، وبعد الثورة اتسم موقفها بالتذبذب النسبي، حيث عارضت المجلس العسكري في مرحلة ما بعد الثورة، ودعمت انتخاب محمد مرسي، ثم عادت وانضمت إلى الحراك المطالب بانتخابات رئاسية مبكرة، وأيدت لاحقًا الاحتجاجات التي سبقت أحداث 30 يونيو 2013.
هذا التغير في المواقف عكس محاولة الحركة التكيف مع واقع سياسي سريع التحول، لكنه في الوقت نفسه أثار انتقادات داخلية وخارجية.
شهدت الحركة العديد من الخلافات والتي بدأت في عام 2011، حيث انقسمت الحركة إلى جناحين رئيسيين، جبهة يقودها أحمد ماهر، و “6 أبريل – الجبهة الديمقراطية” يقودها طارق الخولي، وذلك بسبب الخلاف حول الديمقراطية الداخلية وآليات اتخاذ القرار، والجدل حول التمويل والشفافية واعتراض بعض الأعضاء على هيمنة القيادة المركزية.
وأدى هذا الانقسام إلى إضعاف الحركة بشكل كبير، حيث تكررت الانشقاقات في محافظات مختلفة، وفقدت الحركة جزءًا كبيرًا من تماسكها التنظيمي.
برز داخل الحركة عدد من النشطاء الذين أصبحوا وجوهًا معروفة في المشهد السياسي، من بينهم أحمد ماهر مؤسس الحركة وأحد أبرز قادتها، والذي تعرض للحبس والحكم بالسجن في قضايا تتعلق بالتظاهر، ومحمد عادل أحد مؤسسي الحركة والمتحدثين باسمها، حيث واجه هو الآخر أحكامًا قضائية ومحبوس حاليا، أحمد دومة وحُكم عليه بالسجن لسنوات وأفرج عنه مؤخرا، طارق الخولي والذي أصبح عضوا بمجلس النواب لدورتين متتاليتين.
في عام 2014، صدر حكم قضائي بحظر أنشطة حركة 6 أبريل، وهو ما تزامن مع تطبيق قانون التظاهر، الأمر الذي أدى إلى تراجع تأثيرها السياسي والإعلامي.
“جبهة الإنقاذ”.. توحيد المعارضة في لحظة فاصلة


في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، ومع تصاعد الاستقطاب السياسي، تشكّلت “جبهة الإنقاذ الوطني” في نوفمبر 2012، كتحالف يضم عددًا من الأحزاب والقوى السياسية المعارضة لسياسات الرئيس الأسبق محمد مرسي.
جاء تأسيس الجبهة في سياق الاعتراض على الإعلان الدستوري الصادر في نوفمبر 2012، والذي أثار جدلا واسعًا، ونجحت الجبهة في توحيد صفوف المعارضة المدنية، وضمت شخصيات بارزة مثل محمد البرادعي، وحمدين صباحي، وعمرو موسى.
لعبت “جبهة الإنقاذ” دورًا مهمًا في الحشد السياسي والشعبي خلال تلك الفترة، وكانت أحد أبرز الأطراف التي ساهمت في تشكيل مشهد المعارضة قبيل أحداث 30 يونيو 2013، وجاءت الجبهة كتحالف يضم أكثر من 35 حزبًا وحركة سياسية، معظمها من التيارات الليبرالية واليسارية، بهدف إسقاط الإعلان الدستوري، ووقف الاستفتاء على الدستور، تشكيل جمعية تأسيسية جديدة وقدمت نفسها كـ”مظلة سياسية” للمعارضة المدنية في مواجهة حكم الإخوان.
ضمت الجبهة العديد من الرموز السياسية من بينها، محمد البرادعي، حمدين صباحي، عمرو موسى، محمد أبو الغار، السيد البدوي، عمرو حمزاوي، عبد الغفار شكر.
“تمرد” حملة توقيعات أطاحت بالإخوان


شهدت الساحة السياسية المصرية في عام 2013 ظهور حركة تمرد كواحدة من أبرز الظواهر السياسية التي غيرت مسار الأحداث في البلاد خلال فترة قصيرة، انطلقت الحركة كمبادرة شبابية تهدف إلى جمع توقيعات لسحب الثقة من الرئيس الأسبق محمد مرسي والدعوة لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وذلك في ظل حالة من الاستقطاب السياسي والتوتر المجتمعي التي أعقبت ثورة 25 يناير.
تأسست الحركة على يد مجموعة من النشطاء الشباب، من أبرزهم محمود بدر، محمد عبدالعزيز، وحسن شاهين، حيث اعتمدت في بدايتها على فكرة جمع توقيعات من المواطنين لسحب الثقة من الرئيس، وسرعان ما انتشرت الحملة في مختلف المحافظات، مستفيدة من حالة الغضب الشعبي، لتعلن لاحقًا جمع ملايين التوقيعات.
بلغت الحركة ذروة تأثيرها مع الدعوة إلى التظاهر في 30 يونيو 2013، حيث خرجت حشود كبيرة في مختلف ميادين مصر، في مشهد اعتبره مراقبون نقطة تحول مفصلية في المشهد السياسي، وأسهمت هذه الاحتجاجات في تسريع وتيرة الأحداث التي انتهت بعزل محمد مرسي، لتدخل البلاد مرحلة سياسية جديدة.
حظيت “تمرد” بدعم من قوى سياسية ومدنية مختلفة، كما وجدت تأييدًا من قطاعات واسعة من المواطنين، الذين رأوا فيها أداة للتعبير عن مطالبهم في التغيير، وفي المقابل، واجهت الحركة انتقادات من قوى أخرى اعتبرت أن تحركاتها تفتقر إلى الشرعية الدستورية، ما عكس حجم الانقسام السياسي آنذاك.
بعد نجاحها في الحشد، حاولت “تمرد” التحول من حركة احتجاجية إلى كيان سياسي منظم، حيث شارك بعض مؤسسيها في الحياة السياسية والحزبية، وانخرطوا في البرلمان أو في أحزاب سياسية، إلا أن هذا التحول لم يكن سهلا، حيث فقدت الحركة تدريجيًا زخمها الجماهيري الذي تميزت به في بدايتها.