فشل اندماج الأحزاب.. قراءة في التجارب السابقة

أشرف أمين

رغم مرور ما يزيد على أربعة عقود على عودة التعددية الحزبية في مصر، فإن مشهد الأحزاب لا يزال يعاني حالة من التشرذم وغياب الكيانات الكبيرة القادرة على قيادة الحراك السياسي، وبين الحين والآخر تُطرح مبادرات لاندماج الأحزاب الصغيرة والمتوسطة، طمعًا في خلق قوى سياسية أكثر وزنًا، إلا أن التجارب على الأرض غالبًا ما تنتهي بالفشل أو التجمد، فما الأسباب؟ وما أبرز التجارب؟.
إرث من الانقسامات

لم تعرف الساحة الحزبية المصرية اندماجًا ناجحًا يمكن البناء عليه خلال العقود الماضية، بل على العكس؛ تكاثرت الانشقاقات والانقسامات داخليًا، فمنذ نشأة حزب الوفد الجديد عام 1978 بعد حل الوفد التاريخي، ثم انقسام جزء منه لاحقًا لتأسيس أحزاب أخرى مثل الجيل والوفد المصري، مرورًا بانشقاقات أحزاب المعارضة التاريخية كالتجمع والناصري والعمل، لتظل القاعدة الثابتة هي الخروج أسهل من الاندماج.

حتى في السنوات الأخيرة، بدا المشهد أكثر تعقيدًا، حيث شهد حزب المصريين الأحرار انشقاقات قاسية في 2016 أدت لانفصال مجموعة كبيرة وتأسيس حزب جديد باسم المصريين الأحرار الجبهة المصرية، كما شهد حزب الدستور، أكثر من موجة خلاف أدت إلى استقالات وكيانات منشقة غير رسمية.

من جانبه، يقول تيسير مطر، رئيس حزب إرادة جيل، إن فكرة التحالف نجحت ونضم في تحالف الأحزاب المصرية 42 حزبًا ويوجد تناغم وتوافق في العديد من الآراء والقدرة على استيعاب الاختلافات حول القضايا، مضيفًا أن فكرة الاندماج تطمس أيدولوجية وأفكار الحزب الرئيسية وقناعاته وأهدافه.

ويقول مجدي حمدان، القيادي بحزب المحافظين وأحد مؤسسي الحركة المدنية، إن الأحزاب في مصر ما زالت قائمة على الأشخاص لا المؤسسات، وكل رئيس حزب يرى نفسه زعيمًا لا يُبدل، ما يجعل فكرة التنازل أو تقاسم القيادة مستحيلة، مضيفًا في تصريح خاص لـ”ليبرالي”، أن غياب الثقافة الديمقراطية الداخلية يجعل أي مشروع اندماج يتحول لصراع على المناصب قبل أن يبدأ.

الزعامة الفردية

في السياق نفسه يؤكد الخبير السياسي، طارق فهمي، أن الأحزاب المصرية لم تتخلص من عقلية الزعامة الفردية التي تسبق البرامج والسياسات، وبالتالي أي اندماج يصبح مجرد صراع نفوذ، ويشير “فهمي”، في تصريح لـ “ليبرالي”، أنه رغم اختلاف اللافتات الحزبية، فإن كثيرًا من الأحزاب تفتقر إلى برامج حقيقية، ما يجعل الاندماج أقرب لمحاولة تجميع لافتات لا قواعد فكرية.

وأكد أن:” الاندماج الحزبي الحقيقي يقوم على اتفاق فكري وتنظيمي وبرنامجي، وهو ما نفتقده غالبًا، فالأحزاب متشابهة في الشعارات ومتحفظة في برامجها”، مشددًا على أن بعض الأحزاب لا تمتلك مقرات أو حضورًا في الشارع أصلًا، وبالتالي لا ترى فائدة عملية من الاندماج لأنها لا تتعامل بمنطق القوة السياسية بل بمنطق الوجود الورقي.

مصالح متضاربة

ويحذر بعض رؤساء الأحزاب من أن الاندماج قد يؤدي إلى خسارة تاريخ الحزب وشخصيته، حيث يقول سيد عبد العال، رئيس حزب التجمع، إنه رغم دعمنا لفكرة تقوية العمل الحزبي، إلا أن الدمج غير المدروس قد يطمس الهوية السياسية لحزب عريق له تاريخ وجذور، مضيفًا أن هناك مخاوف دائمة من أن يتحول الاندماج إلى ابتلاع لحزب على حساب آخر.

التحالفات بديلًا عن الاندماج

في السنوات الأخيرة ظهرت محاولات للتنسيق بين الأحزاب عبر تحالفات انتخابية ومنصات حوار، مثل الحوار الوطني وتنسيقية الأحزاب والسياسيين.

ورغم أن هذه التجارب ساهمت في تهدئة المنافسة وخلق قنوات اتصال، لكنها لم تصل إلى مرحلة الدمج المؤسسي، بعض التحالفات تفككت بعد الانتخابات مباشرة، وظل كل حزب متمسكًا بكيانه.

مشروع الاندماج الحزبي في مصر لا يفشل بسبب عامل واحد، بل بسبب خليط من ضعف البنية التنظيمية، وغياب الثقافة الديمقراطية، وهيمنة الشخصية، وغياب البرامج، والخوف من التذويب.

وبينما يستمر الحديث عن ضرورة إحياء الحياة الحزبية، يبقى التحدي الحقيقي هو الانتقال من “أحزاب أفراد” إلى “أحزاب مؤسسات”، ومن لافتات إلى قواعد، ومن انقسامات إلى اندماجات تقوم على رؤية، لا على مقايضات المقاعد.