
نهاد شعبان
قبل ساعات من أذان الفجر، يتردد صوت الطبل في الشوارع والحارات معلنًا اقتراب وقت السحور من خلال صوت مألوف ارتبط بذكريات شهر رمضان الكريم عبر أجيال طويلة وهو صوت المسحراتي الذي لا يزال يجوب الشوارع رغم تغير الزمن وتطور وسائل التكنولوجيا الحديثة، ورغم انتشار الهواتف الذكية والمنبهات التي يمكنها إيقاظ الصائمين بسهولة، فإن مهنة المسحراتي لا تزال حاضرة في بعض الأحياء الشعبية، حيث يتمسك السكان بهذه العادة الرمضانية باعتبارها جزءًا من التراث الشعبي.

وتعود مهنة المسحراتي إلى قرون طويلة في التاريخ الإسلامي، حين كان شخص يجوب الشوارع ليلًا ليوقظ الناس لتناول السحور قبل الفجر، ومع مرور الوقت أصبحت هذه المهمة تقليدًا رمضانيًا مميزًا، يعتمد فيه المسحراتي على الطبل أو الدف، مرددًا عبارات شعبية أو أناشيد دينية، وأحيانًا ينادي على السكان بأسمائهم مما يبعث في قلوبهم الألفة والبهجة، وكان المسحراتي في الماضي شخصية معروفة في الحي، حيث يعرف سكان المنطقة واحدًا واحدًا، ويحرص على المرور يوميًا في نفس المواعيد تقريبًا، ومع اقتراب نهاية رمضان، كان الأطفال يحيطون به في الشوارع بينما يقدم له الأهالي أطباق الكعك أو الهدايا أو النقود تقديرًا لدوره طوال الشهر.
ومع تطور التكنولوجيا وانتشار الهواتف الذكية، تراجعت الحاجة العملية إلى المسحراتي، فاليوم يمكن لأي شخص ضبط منبه هاتفه بسهولة ليوقظه قبل السحور، كما ظهرت تطبيقات خاصة للتذكير بمواقيت الصلاة والسحور، ما جعل الدور التقليدي للمسحراتي يبدو أقل أهمية من الناحية العملية، لكن رغم ذلك لم يختف المسحراتي تمامًا، فالكثير من الناس لا ينظرون إليه كوسيلة للإيقاظ فقط، بل كجزء من أجواء رمضان التي تمنح الشوارع طابعًا خاصًا، لذلك لا يزال بعض الأهالي، خاصة في الأحياء القديمة، يرحبون بمروره ويعتبرونه رمزًا من رموز الشهر الكريم.
وفي العديد من المناطق الشعبية، ما زال المسحراتي يحافظ على حضوره، خاصة خلال العشر الأواخر من رمضان، حين تزداد الحركة في الشوارع ليلاً، وغالبًا ما يكون المسحراتي أحد أبناء الحي نفسه، يعرفه السكان جيدًا ويعتبرونه جزءًا من مجتمعهم اليومي، كما أن الأطفال تحديدًا يتفاعلون مع هذه الشخصية التراثية بحماس كبير، حيث ينتظرون صوته في منتصف الليل، ويرددون معه بعض العبارات أو يركضون خلفه في الشوارع، وهذا التفاعل يجعل من المسحراتي أكثر من مجرد مهنة، فأصبح تقليد اجتماعي يعزز روح المشاركة والمحبة بين سكان الحي الواحد.

وعلى عكس كثير من المهن الأخرى، لا يحصل المسحراتي عادة على راتب ثابت مقابل عمله، فمعظمهم يعتمدون على الهدايا أو “العيدية” التي يقدمها الأهالي في نهاية رمضان، ومع ذلك يواصل البعض القيام بهذه المهمة بدافع الحفاظ على التراث أو حبهم للأجواء الرمضانية، كما أن بعض المسحراتية يطورون أساليبهم لجذب انتباه السكان، فيضيفون أناشيد دينية أو عبارات طريفة أثناء جولتهم الليلية، كما يستخدم بعضهم مكبرات صوت صغيرة بدلًا من الاكتفاء بالطبل التقليدي، لمحاولة التكيف مع التغيرات الحديثة دون التخلي عن روح المهنة.
