
سمر أبو الدهب
لم يعد المشهد المصرفي في مصر عام 2026 كما كان، إذ نقف اليوم أمام مرحلة نضوج الثورة الرقمية التي يقودها تطبيق “إنستا باي”، ويؤكد العديد من مستخدميه أنه رغم دخول الرسوم حيز التنفيذ منذ عام،إلا أنه لا يزال المنقذ لهم في معاملاتهم الصباحية، ويرون أن دفع رسوم بسيطة مقابل توفير الوقت هو ضريبة مقبولة للطبقة المتوسطة التي تتبع ميزانيات محسوبة بدقة، حيث يمنحهم التطبيق ميزة تتبع كل “قرش” يخرج من الحساب اللحظي، مما يقلل من الهدر المالي غير المبرر.
إعادة هيكلة قواعد اللعبة المصرفية
وفي تحليل أكاديمي لهذا التحول، تؤكد الدكتورة بسمة سليم، مدرس مساعد بكلية إدارة الأعمال والاقتصاد، أن فرض الرسوم منذ أبريل 2025 كان خطوة متوقعة مع وصول التطبيق لمرحلة الانتشار الشامل، موضحة أن هذه المنظومة التي تتحرر من أعباء الفروع التقليدية تتبنى نموذج عمل مرن، لكن الاستدامة تتطلب تكاليف تشغيل عالية.
وترى الدكتورة بسمة أن المنافسة ستشتد بضراوة على استقطاب الشباب ورواد الأعمال، الذين يفضلون دفع رسوم رمزية مقابل السرعة، مما قد يسحب البساط تدريجيًا من تحت أقدام المؤسسات التي تتأخر في مواكبة هذا التحول.
لغة التريليونات
وتأتي هذه القصص الإنسانية مدعومة بلغة أرقام “مرعبة” تعكس حجم التغيير؛ حيث حققت المنظومة طفرة كبرى بنهاية يونيو 2025 بوصول عدد مستخدميها إلى 16 مليون عميل، والأهم من ذلك هو حجم المعاملات الذي بلغ نحو 4.2 تريليون جنيه في العام المالي الأخير “يوليو 2024 – يونيو 2025”.
عصر “العمولة” كيف تغيرت حسابات المستخدمين؟
يُذكر أنه منذ مطلع أبريل العام الماضي، طوى”إنستا باي” صفحة المجانية الكاملة، ليبدأ عصر الرسوم التي حددها البنك المركزي بواقع 0.1% من قيمة المعاملة، بحد أدنى 50 قرشًا وحد أقصى 20 جنيهًا، هذا التغيير جعل المستخدمين أكثر حرصًا؛ فالتطبيق الذي كان يتيح الاستعلام عن الرصيد مجانًا، أصبح يفرض 50 قرشًا بعد العملية العاشرة شهريًا.
هذه القواعد الجديدة أوجدت ثقافة استهلاكية مختلفة لدى الطبقة المتوسطة، التي بدأت في تجميع تحويلاتها في عملية واحدة لتقليل الأثر المالي للرسوم، خاصة في المعاملات الكبيرة التي تلامس سقف العمولة.
الهروب من مخاطر الكاش
وفي قلب أحد المراكز التجارية بمدينة السادس من أكتوبر، يتحدث محمد جمال، صاحب محل لبيع إكسسوارات السيارات، عن تأقلم السوق مع النظام الجديد، حيث قال “جمال” إن عملائه يدركون أن عمولة التحويل هي جزء من تكلفة الخدمة تمامًا مثل رسوم الـ ATM.
ويؤكد أن الفوائد التي يحصل عليها من تنظيم حساباته وتجنب مخاطر السيولة تفوق بكثير قيمة الرسوم، وهو ما وصفته الدكتورة بسمة سليم بأنه بيئة خصبة للابتكار المالي، ساهمت في دمج فئات كانت بعيدة عن المنظومة البنكية الرسمية بشكل مستدام وبناء ثقة حقيقية في الاقتصاد الرقمي.
من التطبيق إلى “البنك الرقمي “ماذا بعد؟
يبدو أن تطبيق “إنستا باي” ورغم دخوله مرحلة الخدمات المدفوعة، يظل هو”رأس الحربة” في معركة التغيير التي لم تعد مجرد تحديث تقني بل إعادة صياغة كاملة لمفهوم البنك في حياة المصريين.
ومع وصول حجم المعاملات إلى تريليونات الجنيهات، يمهد هذا النجاح الطريق لظهور “البنوك الرقمية المتكاملة” التي ستسكن هواتفنا بالكامل قريبًا، لتكتمل لوحة الشمول المالي التي بدأت بمجرد تطبيق، وانتهت بثورة شاملة ستضع البنوك التقليدية أمام خيار وحيد، التطور أو التراجع، وهو ما سنكشف كواليسه في تقريرنا القادم حول “صراع العمالقة” على جيل الديجيتال.