من الدلتا للصعيد.. كيف يهدد نقص المياه لقمة العيش؟

نهاد شعبان

في بلد ارتبط تاريخه وحاضره بنهر واحد، لم يعد الحديث عن المياه رفاهية أو مجرد ملف بيئي، بل أصبح قضية وجود تمس كل بيت، على امتداد الأراضي الزراعية من شمال الدلتا حتى أقصى الصعيد، حيث يواجه المزارعون تحديًا متزايدًا يتمثل في نقص الموارد المائية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على إنتاج الغذاء ومستوى المعيشة، حيث يعتمد المواطنون بشكل شبه كامل على نهر النيل كمصدر رئيسي للمياه، سواء للشرب أو الزراعة أو الصناعة، ومع الزيادة السكانية المستمرة، وثبات حصة مصر من المياه، أصبح نصيب الفرد في تراجع ملحوظ، ما يضعنا ضمن قائمة الدول التي تعاني من “الفقر المائي”، وهذا التراجع لا يظهر فقط في الأرقام، بل في تفاصيل الحياة اليومية، خاصة في القرى الزراعية.

ففي دلتا النيل، بدأ المزارعون يلاحظون تغيرات واضحة في وفرة المياه وجودتها، حيث أن بعض الترع لم تعد تصلها المياه بالكميات الكافية، بينما يعاني آخرون من تدهور جودة المياه نتيجة التلوث أو اختلاطها بمياه الصرف، وكل هذه العوامل تؤثر على إنتاجية المحاصيل الأساسية مثل الأرز والقمح، ما يدفع بعض المزارعين إلى تقليل المساحات المزروعة أو التحول إلى محاصيل أقل استهلاكًا للمياه، حتى لو كانت أقل ربحًا.

أما في الصعيد، فالتحدي يبدو أكثر حدة، حيث أن ارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات التبخر يجعل الاحتفاظ بالمياه في التربة أكثر صعوبة، ما يضاعف الحاجة إلى الري، ومع محدودية الموارد، يجد كثير من المزارعين أنفسهم أمام خيار صعب، إما تقليل الزراعة أو تحمل تكاليف إضافية لضخ المياه، وهو ما يضغط على دخلهم المحدود أساسًا.

ولا يقتصر تأثير نقص المياه على الزراعة فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد المحلي، فانخفاض الإنتاج يعني ارتفاع أسعار الغذاء، ما يؤثر على المستهلكين في المدن والقرى على حد سواء، كما أن تراجع النشاط الزراعي يؤدي إلى فقدان فرص العمل، خاصة في المناطق الريفية التي تعتمد بشكل كبير على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل، وفي الوقت نفسه، تواجه المناطق الساحلية في شمال الدلتا تحديًا إضافيًا يتمثل في تداخل مياه البحر مع المياه الجوفية، ما يؤدي إلى زيادة ملوحة التربة، وهذا التغير يجعل بعض الأراضي أقل ملاءمة لزراعة محاصيل معينة، ويدفع المزارعين للبحث عن بدائل تتناسب مع الظروف الجديدة.

خلال السنوات الأخيرة، اتجهت الحكومة إلى تنفيذ عدد من المشروعات لتحسين إدارة المياه، من بينها تبطين الترع للحد من الفاقد، والتوسع في استخدام نظم الري الحديثة مثل التنقيط والرش، كما تم العمل على إعادة استخدام المياه بعد معالجتها، لتقليل الضغط على الموارد التقليدية، وبجانب هذه الجهود، ظهرت تغييرات في أنماط الزراعة نفسها، حيث بدأ بعض المزارعين في الاتجاه نحو محاصيل أقل استهلاكًا للمياه، أو تقليل زراعة المحاصيل التي تحتاج إلى كميات كبيرة مثل الأرز في بعض المناطق، كما يتم تعديل مواعيد الزراعة بما يتناسب مع الظروف المناخية المتغيرة، ورغم هذه الإجراءات، لا تزال التحديات قائمة، خاصة مع استمرار الضغوط على الموارد المائية، فارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى زيادة الاحتياجات المائية للمحاصيل، في حين تظل الموارد محدودة، كما أن التوسع العمراني يؤثر على الأراضي الزراعية، ما يزيد من الضغط على المساحات المتبقية.