
في ظل التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، لم تعد ساحة التأثير مقتصرة على الميدان السياسي أو العسكري فقط، بل امتدت سريعًا إلى الأسواق العالمية للطاقة، يكشف هذا التقرير التحليلي، المدعوم بالبيانات ورصد الخطاب السياسي، كيف انعكست تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على حركة أسعار النفط، وما إذا كانت الأسواق قد تفاعلت مع التطورات العسكرية بقدر ما تفاعلت مع اللغة السياسية المصاحبة لها.
نمط الخطاب السياسي
حلل ليبرالي تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ بداية التصعيد العسكري مع إيران، إلى جانب حركة أسعار النفط خلال الفترة نفسها، وتوصل التحليل إلى نمط واضح يربط بين الخطاب السياسي والتقلبات الحادة في أسواق الطاقة.
أظهرت البيانات أن السوق تفاعل بشكل مباشر مع كل تصريح تقريبًا، حيث لم تكن التحركات السعرية مرتبطة فقط بالتطورات العسكرية على الأرض، بل كانت في كثير من الأحيان استجابة فورية للخطاب السياسي ذاته.
وبحسب الرصد، بلغ إجمالي ما تم تتبعه نحو 20 تصريحًا رئيسيًا خلال فترة التصعيد، بالإضافة إلى 4 مقابلات تلفزيونية، بمتوسط يقارب تصريحين يوميًا منذ بداية الأزمة وحتى الآن. كما كشف التحليل اللغوي أن الخطاب السياسي تضمن تكرارًا مكثفًا لمفردات محددة، حيث وردت كلمة “إيران” نحو 45 مرة، و “الحرب” 32 مرة، و”النفط” 18 مرة، و”أمريكا” 27 مرة، و”القوة” 15 مرة.
عدم اليقين يرفع الأسعار
وأشار التحليل إلى أن هذا التكرار لم يكن عشوائيًا، بل جاء ضمن نمط خطابي يربط بين الصراع العسكري والأسواق الاقتصادية بشكل مباشر، ما أسهم في تعزيز حالة القلق وعدم اليقين في الأسواق العالمية.
خلال أول عشرة أيام من الحرب على إيران ارتفعت الأسعار بمعدل 107 دولارًا للبرميل بسبب تصريحات الرئيس الأمريكي.
وخلال الفترة محل الدراسة، منذ 2 إبريل وحتي 12 إبريل، ارتفعت أسعار النفط من مستويات تقارب 90 دولارًا للبرميل إلى أكثر من 120 دولارًا، مع تسجيل التغيير الأكبر بعد التصريحات المرتبطة بتصعيد الأزمة في منطقة مضيق هرمز، وهو الممر الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، ما جعل أي تهديد له عاملًا مباشرًا في تحريك الأسعار.
بتاريخ 12 أبريل، ارتفعت مؤشرات الطاقة عالميًا بعد تصريحات ترامب، إذ اعلن عن استمرار التصعيد العسكري ضد إيران، مع التلويح بإغلاق مضيق هرمز، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط مجددًا فوق 100 دولار وسط مخاوف من اضطراب الإمدادات العالمية، كما صرّح بأن الولايات المتحدة يمكن أن تستفيد من الأزمة عبر زيادة صادراتها من الطاقة، في حين أكد استمرار العمليات العسكرية دون تحديد موعد للتهدئة، ما زاد من حالة القلق في الأسواق ورفع تقلبات أسعار النفط عالميًا.
توصل التحليل إلى أن التصريح الوحيد الذي أدى إلى انخفاض واضح في الأسعار كان إعلان الهدنة المؤقتة في 8 أبريل، وهو ما تسبب في تراجع أسعار النفط من مستويات مرتفعة إلى حدود 94 دولارًا، قبل أن تعود للارتفاع مجددًا مع استئناف التصعيد السياسي.
إيران والحرب والطاقة
يرى التقرير أن النمط يعكس اعتمادًا متكررًا على الخطاب السياسي كأداة تأثير غير مباشرة في الأسواق، حيث ساهمت التصريحات المتكررة التي تجمع بين مفردات “إيران” و”الحرب” و”الطاقة” في خلق بيئة مضطربة دفعت المستثمرين إلى تسعير المخاطر بشكل مبالغ فيه.
في المحصلة، يخلص التحليل إلى أن تصريحات دونالد ترامب خلال الحرب على إيران لم تكن مجرد مواقف سياسية، بل شكلت عاملًا مؤثرًا في تحريك سوق النفط العالمي، حيث أدت إلى واحدة من أسرع موجات الصعود في أسعار الطاقة خلال فترة زمنية قصيرة، مدفوعة بحالة القلق العالمي والتصعيد الخطابي المستمر.
اقراء أيضًا: “Flintlock” التدريب العسكري الأمريكي في ليبيا: مناورات روتينية أم غطاء لإعادة رسم نفوذ واشنطن في أفريقيا؟
اقراء أيضًا: من الشهر العقاري إلى المرور: رحلة التوكيل المزور في يد العصابات