ADVERTISEMENT (TEST2)

728 x 90 Leaderboard Area

مواسم تختل ومحاصيل تتراجع.. تغير المناخ يضع المحاصيل التقليدية في مهب الريح

نهاد شعبان

لم تعد الفصول في مصر كما كانت، الصيف يطول ويشتد، والشتاء يتراجع ويأتي على استحياء، وبينهما تختفي ملامح المواسم التي اعتاد عليها الفلاحون لعقود طويلة، هذا التغير لم يعد مجرد إحساس عام بالحر أو البرودة، بل أصبح واقعًا ينعكس بشكل مباشر على الأرض والمحاصيل والإنتاج الزراعي، ويطرح تساؤلات ملحة حول مستقبل الزراعة التقليدية، ففي القرى الممتدة على ضفاف النيل، يتحدث الفلاحون عن تغيرات واضحة في مواعيد الزراعة والحصاد، ما كان يُزرع في توقيت محدد لم يعد ينجح بنفس الكفاءة إذا التزم الفلاح بنفس الجدول القديم، حيث أن درجات الحرارة المرتفعة تؤدي إلى نضج مبكر لبعض المحاصيل، بينما تتسبب موجات البرد المفاجئة في تلف أخرى، ما يجعل الموسم الزراعي أقصر أو غير مستقر.

أحد أبرز مظاهر هذا التغير هو اضطراب مواسم الزراعة، فمحاصيل مثل القمح، التي تعتمد على درجات حرارة معتدلة خلال فترة النمو، أصبحت تواجه تحديات بسبب ارتفاع الحرارة في أوقات غير معتادة، وهذا الارتفاع يؤدي إلى تسريع دورة النمو، ما يقلل من حجم الحبوب وجودتها، في المقابل تتأثر محاصيل أخرى مثل البطاطس والطماطم بموجات الحرارة الشديدة، التي قد تؤدي إلى تلف جزء كبير من الإنتاج، ولا يقتصر الأمر على الحرارة فقط، بل يمتد إلى ندرة المياه أو تغير نمط توفرها، فمع تزايد الاحتياج للمياه في ظل ارتفاع درجات الحرارة، يجد الفلاح نفسه مضطرًا لاستخدام كميات أكبر من المياه لري نفس المساحة، ما يزيد من التكلفة ويضغط على الموارد المائية، وفي بعض المناطق، يؤدي نقص المياه إلى تقليص المساحات المزروعة من الأساس.

وكل هذه التغيرات تضع المحاصيل التقليدية في دائرة الخطر، فالمحاصيل التي كانت مستقرة لعقود لم تعد تضمن نفس العائد، ما يدفع بعض الفلاحين للتردد في زراعتها أو تقليل مساحاتها، على سبيل المثال القطن الذي كان يُعرف بـ”الذهب الأبيض”، يواجه تحديات مرتبطة بطول الموسم واحتياجه لظروف مناخية مستقرة، وكذلك الحال بالنسبة لبعض المحاصيل الصيفية التي أصبحت عرضة للإجهاد الحراري، أما الخسائر التي يتحملها الفلاحون، فهي متعددة ومتشابكة، أولها الخسارة المباشرة في الإنتاج، حيث تقل الكمية أو تتدهور الجودة، ما يؤدي إلى انخفاض السعر في السوق، وثانيها ارتفاع تكلفة الزراعة، نتيجة الحاجة إلى ري إضافي أو استخدام أسمدة ومبيدات أكثر لمواجهة الظروف غير المستقرة، وثالثها المخاطرة المتزايدة، حيث لم يعد الفلاح قادرًا على التنبؤ بنتيجة الموسم، ما يجعل كل دورة زراعية مغامرة غير مضمونة.

إلى جانب ذلك، تؤدي التغيرات في مواسم الزراعة إلى خلل في دورة العمل الزراعي، فالفلاح الذي اعتاد على جدول زمني محدد للزراعة والحصاد يجد نفسه مضطرًا لتغييره، ما يؤثر على توزيع العمالة وتكاليفها، كما أن تداخل المواسم قد يخلق ضغطًا إضافيًا على الموارد، سواء كانت مياه أو معدات أو عمالة، وفي مواجهة هذه الصعوبات، بدأ بعض الفلاحين في البحث عن بدائل، ومن بين هذه البدائل التوجه نحو محاصيل أكثر تحملاً للحرارة والجفاف، مثل الذرة الرفيعة أو بعض أنواع البقوليات، حيث أن هذه المحاصيل لا تعطي دائمًا نفس العائد الاقتصادي للمحاصيل التقليدية، لكنها توفر قدرًا من الأمان في ظل الظروف المناخية المتقلبة.

كما ظهرت اتجاهات نحو زراعة أصناف جديدة من نفس المحاصيل التقليدية، تكون أسرع نموًا أو أكثر قدرة على تحمل الظروف القاسية، على سبيل المثال، يتم اللجوء إلى أنواع من القمح قصيرة العمر، أو طماطم تتحمل الحرارة المرتفعة، وهذه التغييرات تعكس محاولة للتكيف مع الواقع الجديد، لكنها لا تخلو من الصعوبات، خاصة فيما يتعلق بتسويق هذه الأصناف أو تقبلها في السوق، كما أن بعض الفلاحين اتجهوا أيضًا إلى تقليل الاعتماد على محصول واحد، وتبني نظام زراعي متنوع يقلل من المخاطر، فبدلاً من زراعة محصول واحد على مساحة كبيرة، يتم تقسيم الأرض بين عدة محاصيل، بحيث إذا تأثر أحدها، يمكن تعويض الخسارة من الآخر، وهذا التوجه يعكس تحولا في طريقة التفكير الزراعي، من الاعتماد على الاستقرار إلى محاولة إدارة المخاطر.

ورغم هذه المحاولات، يبقى التحدي الأكبر هو سرعة التغير مقارنة بقدرة الفلاح على التكيف، فالتغيرات المناخية لا تحدث بشكل تدريجي يمكن استيعابه بسهولة، بل تأتي أحيانًا بشكل مفاجئ وحاد، ما يجعل التكيف معها أكثر صعوبة، كما أن الإمكانيات المتاحة للفلاحين خاصة في المناطق الريفية، قد لا تسمح دائمًا بتجربة محاصيل جديدة أو تحمل خسائر متكررة، لذا لم تعد الزراعة في مصر مجرد نشاط تقليدي يعتمد على خبرة متوارثة، بل أصبحت ساحة مواجهة مع واقع مناخي متغير، كما أن المحاصيل التي شكلت أساس الأمن الغذائي لعقود باتت مهددة، والفلاح الذي كان يعتمد على استقرار المواسم أصبح مطالبًا بالتأقلم مع عدم اليقين.

ADVERTISEMENT (TEST1)

728 x 90 Leaderboard Area