
بينما ينشغل العالم بتحركات السفن الحربية والناقلات في مضيق هرمز، تنشغل الأم المصرية بحسابات أخرى تمامًا؛ هل ستتأثر زجاجة الزيت وكيس الأرز وكيلو اللحوم بتلك الأخبار البعيدة؟ فالمسافة بين مضيق هرمز ومائدة المصريين لم تعد تُقاس بالكيلومترات، بل بتكلفة شحن “النولون” وأقساط تأمين الحاويات التي تشتعل مع كل نذير حرب.
اليوم، ورغم استقرار الدولار الذي تراجع طفيفًا إلى 51.75 جنيهًا مقارنة بـ 51.88 جنيهًا بالأمس، وهبوط الذهب عيار 21 بمقدار 20 جنيهًا ليسجل 7040 جنيهًا، إلا أن القلق يتركز حاليًا حول “بورصة الغذاء”؛ فمعظم زيوتنا وحبوبنا تمر عبر ممرات ملاحية باتت فعليًا في قلب العاصفة.
فاتورة الشحن والبدائل الاضطرارية
وفي ذلك قال الخبير الاقتصادي، أحمد أبو الفتوح، إن التراجع الطفيف في أسعار الذهب والدولار اليوم يعكس حالة من الهدوء الحذر وامتصاص الأسواق للصدمة الأولى، لكنه لا يعفينا من مراقبة تكلفة استيراد السلع الأساسية مستقبليًا.
وأوضح أبو الفتوح أن إغلاق مضيق هرمز للمرة الثانية يجبر السفن التجارية القادمة من شرق آسيا أو الخليج على سلوك طريق “رأس الرجاء الصالح”، وهو ما يعني زيادة في مدة الرحلة تتراوح بين 10 إلى 15 يومًا إضافية، مما يؤدي إلى تضاعف تكاليف “النولون” أو أجرة الشحن البحري نتيجة استهلاك وقود أكثر وأجور عمالة أعلى.
وأشار أبو الفتوح إلى أن المواطن المصري قد لا يشعر بأثر الأزمة فوريًا بفضل “المخزون الاستراتيجي” القوي الذي أمنته الدولة لعدة أشهر، ولكن التحدي الحقيقي يكمن في استدامة هذا المخزون إذا طال أمد الإغلاق، حيث ستضطر شركات الاستيراد إلى التعاقد على شحنات جديدة بأسعار شحن مرتفعة جدًا، وهو ما قد يضغط على أسعار السلع الغذائية المستوردة مثل الزيوت والحبوب واللحوم، ويجعل زيادة السعر أمرًا واقعًا في المدى المتوسط.

تأمين المخاطر وضبط إيقاع الأسواق
وبدوره أكد الخبير الاقتصادي محمد عبد الهادي، أن استقرار سعر الصرف عند مستوى الـ 51.75 جنيهًا يعد صمام أمان قوي يمنع حدوث قفزات عشوائية في أسعار السلع حاليًا، مشيرًا إلى أن هبوط الذهب لـ 7040 جنيهًا هو حركة تصحيحية طبيعيًا بعد طفرات الارتفاع السابقة.
وحذر عبد الهادي من أن “تأمين الشحن” هو الغول الجديد الذي يهدد استقرار الأسعار؛ فشركات التأمين العالمية ترفع رسومها فورًا عند اندلاع أي توتر في المضايق الدولية، وهذه الرسوم تضاف مباشرة على قيمة السلعة النهائية التي يشتريها المواطن من “السوبر ماركت”.
ويرى أن اللجوء لبدائل ملاحية بعيدة عن منطقة الصراع، رغم أنه يحقق الأمان، إلا أنه يرفع التكلفة الإجمالية للاستيراد بشكل تلقائي، مؤكدا أن الحل الضروري في هذه المرحلة يكمن في الرقابة الصارمة على الأسواق والضرب بيد من حديد على أي محاولة من قبل التجار لاستغلال أزمة هرمز لرفع الأسعار بشكل غير مبرر، لضمان ألا يتحمل المواطن البسيط فاتورة صراعات جيوسياسية لا دخل له بها مطلقًا.
بين الرفوف والمضيق
والحقيقة التي يرصدها “ليبرالي” وسط محلات البقالة والأسواق، هي أن المواطن المصري بات يربط بين حركة السفن في الخليج وبين ميزانية بيته، ورغم أن الأرقام الرسمية للدولار والذهب تمنحنا هدنة ومؤشرات إيجابية اليوم، إلا أن المخاوف من التضخم المستورد تظل قائمة في الأذهان.
أن الرهان الآن ليس فقط على قوة الجنيه واستقرار الصرف، بل على كفاءة سلاسل الإمداد البديلة وقدرتها على إيصال السلع الأساسية دون زيادات ترهق كاهل الأسر المنهكة، فهل تنجح المائدة المصرية في عبور فخ هرمز بسلام؟





