
وراء شاشات الموبايل البراقة وسهولة “التكة الواحدة”، تكمن تحديات لا يستهان بها؛ فبينما هرب المواطن من طوابير المصالح الحكومية، وجد نفسه أحياناً في مواجهة “طوابير افتراضية” من الأعطال التقنية، ودوامة من المخاوف المتعلقة بخصوصية بياناته وأمان أمواله.
التحول الرقمي ليس مجرد تطبيق نحمله، بل هو تغيير جذري في نمط الحياة، يتطلب وعياً بمخاطره بقدر الاستفادة من مميزاته، خاصة في ظل اقتصاد حر لا يرحم من لا يواكب التطور أو يسقط ضحية لثغراته.
الفجوة الرقمية.. حين يصبح “السيستم واقع” عائقاً إلكترونياً
ورغم تراجع دور “موظف الشباك”، إلا أن الاعتماد الكلي على التكنولوجيا خلق نوعاً جديداً من التوتر؛ فالمواطن الذي كان يشتكي من زحام المكاتب، أصبح الآن يخشى من رسالة “فشل العملية” بعد خصم المبلغ، أو اختراق حسابه، أو حتى العزلة التي فرضتها الشاشات.
هذا الجانب يتطلب نظرة نقدية لكيفية حماية المستهلك في سوق رقمي مفتوح وشديد التنافسية، حيث تصبح جودة الخدمة هي المعيار الوحيد للبقاء.
مخاوف الأمان والرسائل المجهولة
أعرب أحمد بدر، صاحب أعمال حرة، عن قلقه الدائم رغم استفادته من سرعة تلك التقنيات، موضحاً أن التجربة ليست إيجابية في جميع الأوقات، حيث قال، “أصبحت أخشى الرسائل المجهولة أو الروابط الإلكترونية التي قد تخترق بياناتي، وقد واجهت بالفعل أزمة تقنية حين عُلقت عملية مالية وتم خصم المبلغ دون استرداده إلا بعد أسبوع من التواصل الشاق مع خدمة العملاء.
وفي تلك اللحظة أدركت أن التطبيقات الرقمية وفرت لنا وقتاً وتجنب حرقة الدم التي يسببها مشاكل الشباك، لكنها فتحت باباً واسعاً للقلق من جانب آخر، ففي حال وقوع مشكلة تقنية، يغيب العنصر البشري الذي يمكن اللجوء إليه لحل الأزمة بشكل فوري ومباشر”.
شبح الخصوصية والتعقيد التقني
فيما أكد المحامي مصطفى عبد العزيز، أن هناك فئات تعاني في صمت نتيجة هذا التحول المتسارع، قائلاً: “على الرغم من أن هذه التطبيقات سهلت طبيعة عملي، إلا أنها في الوقت ذاته جعلت خصوصيتنا مستباحة لشركات الإعلانات والمنصات الرقمية.
كما أن هناك قطاعاً كبيراً من المواطنين، ولاسيما كبار السن، يشعرون بالعزلة والارتباك لفرض نظام تقني لا يستوعبونه بشكل كامل”.
وأكد عبد العزيز أن التكنولوجيا إذا لم تكن محصنة بقوانين رادعة، ستتحول إلى وسيلة جديدة للنصب والتلاعب بحقوق المواطنين.
نحو رقمنة آمنة ومسئولة
من جانبه، يعترف الخبير الاقتصادي أحمد عبد الفتاح بوجود هذه الثغرات التقنية، معتبراً أن السلبيات التي نراها حالياً هي ضريبة طبيعية للتحول السريع نحو الاقتصاد الرقمي الذي لا يخلو من التحديات الأمنية والتشغيلية.
ويرى عبد الفتاح أن الحل يبدأ من صياغة قوانين صارمة لحماية المستهلك الرقمي، بحيث يتم تغليظ العقوبات على الشركات التي تتهاون في تأمين بيانات المستخدمين، مع إلزامها تقنياً برد أي مبالغ مالية معلقة ناتجة عن تعطل الأنظمة بشكل فوري لضمان عدم تضرر السيولة المالية للأفراد.
أضاف الخبير الاقتصادي أن مواجهة هذه المخاوف تتطلب أيضاً استراتيجية وطنية لنشر الثقافة المالية الرقمية، تهدف إلى تعليم المواطن كيفية التعامل مع محاولات الاحتيال وحماية خصوصيته، بدلاً من تركه فريسة للتطبيقات دون وعي كافٍ بمخاطرها.
كما يشدد على ضرورة تبني نظام “هجين” يجمع بين التطور التكنولوجي ووجود منافذ دعم فني واقعية على الأرض، لتكون بمثابة صمام أمان يلجأ إليه المواطن في حالات الطوارئ التقنية، لضمان أن تظل التكنولوجيا وسيلة لخدمة الإنسان وحفظ حقوقه، لا مجرد أداة لاستنزاف طاقته في ملاحقة أعطالها تمامًا.






