
وسط حالة الركود التي ضربت سوق العقارات، لجأ عدد من المطورين لاستخدام آليات في السداد ونظم الدفع تساهم في زيادة مبيعاتهم، وكان أبرز هذه الطرق، أنظمة السداد الطويلة والتقسيط المريح، لكن يبدو أن طريقة تحفيز السوق تحول إلىسلاح ذا حدين في السوق العقاري؛ فبينما تمنح أملًا للمشترين في امتلاك وحداتهم، يرى الخبراء أنها قد تحمل في طياتها بذور “فقاعة سعرية” تهدد الاستقرار على المدى البعيد، في ظل رفع أسعار العقارات رغم حلة الركود.
ويكمن الخطر في أن المبالغة في التحوط ضد تقلبات العملة والفائدة تدفع المطورين لرفع الأسعار بشكل استباقي ومبالغ فيه، مما يخلق فجوة كبيرة بين القيمة الحقيقية للوحدة وسعرها في السوق الأولي.
تأثير أنظمة التقسيط وتقلبات الاقتصاد على الأسعار
وفي ذلك يرى رئيس الاتحاد الإفريقي لمنظمات التشييد والبناء حسن عبد العزيز، أن التوسع الملحوظ في أنظمة التقسيط داخل القطاع العقاري قد يؤدي بشكل مباشر إلى حدوث تضخم في الأسعار، وأرجع ذلك إلى أن سوق الصرف يشهد حالات من عدم الاستقرار، تزامنًا مع استمرار ارتفاع معدلات الفائدة.
وأكد أن هذه العوامل مجتمعة تجبر المطور العقاري على المبالغة في التحوط عند وضع خطته السعرية، مما يؤدي في النهاية إلى ارتفاع سعر الوحدات بنسبة كبيرة تتجاوز القدرة الشرائية في كثير من الأحيان.
مخاوف من فقاعة عقارية وفجوة سعرية
ولفت عبد العزيز إلى أن هذا الارتفاع المستمر والتحوط المفرط قد يمهد الطريق لظهور “فقاعة سعرية” في السوق العقاري، لافتًا إلى أن ملامح هذه الفجوة تظهر بوضوح عند مقارنة الوحدات المطروحة حاليًا بالوحدات التي تم شراؤها سابقًا بأسعار أقل وفترات سداد أقصر؛ حيث يمتلك هؤلاء المشترون القدامى القدرة على إعادة بيع وحداتهم بأسعار أقل بكثير من أسعار المطورين الحالية، مما يضع السوق الأولي في مواجهة تحديات تنافسية صعبة.
انتعاش السوق الثانوي كبديل استراتيجي
وأوضح عبد العزيز أن ما يحدث حاليًا قد يصب في مصلحة “السوق الثانوي” بشكل كبير، إذ أن الفارق السعري الشاسع بين الوحدات المعروضة من المطورين وبين تلك المتاحة في السوق الثانوي قد يحرك المياه الراكدة في الأخير.
وأشار إلى أن فترات السداد الطويلة والأسعار المرتفعة لدى المطورين تجعل المشترين يتجهون نحو السوق الثانوي الذي يوفر وحدات بأسعار أكثر واقعية، خاصة مع وجود شريحة من المستثمرين الذين اشتروا قديمًا وقرروا البيع الآن لتحقيق أرباح سريعة، مما ينعش حركة التداول بعيدًا عن المطورين.
مخاطر تعثر العملاء وتهديد استقرار القطاع
وأكد عبد العزيز أن خطر تعثر العملاء في سداد الأقساط يمثل تهديدًا حقيقيًا لاستقرار السوق العقاري ككل، إذ أن الضغط المالي الناتج عن الأسعار المرتفعة قد يجعل شريحة كبيرة من المشترين غير قادرين على الالتزام بجدول المدفوعات، وهو ما يضع المطورين في مأزق السيولة ويؤثر على وتيرة التنفيذ والتسليم.
ضرورة التدخل الحكومي لضبط إيقاع القطاع
من جانبه، يرى الخبير العقاري محمد يوسف، أن الدولة يجب أن يكون لها دور قوي ومحوري في هذا التوقيت، نظرًا لأن القطاع العقاري يعد من أهم القطاعات الحيوية في الدولة ومحركًا أساسيًا للاقتصاد القومي.
ويؤكد يوسف أن المسئولية تقع على عاتق أطراف متعددة وفي مقدمتها الدولة؛ ففي الوقت الذي تطرح فيه الدولة الأراضي بأسعار مرتفعة وفترات سداد قصيرة، يضطر المطور لرفع الأسعار وزيادة مدد التقسيط للتحوط، مما يوسع الفجوة التمويلية ويضغط على المواطن النهائي.
حلول لضمان استقرار السوق العقاري
وشدد يوسف على ضرورة قيام الدولة بمد فترات السداد الخاصة بأقساط الأراضي لتخفيف الضغط المالي عن المطورين، مع التوسع في نظام المشاركات في البيع والشراء على الأراضي.
كما أقترح ضرورة توفير برامج تمويلية مخصصة وميسرة للمطورين، لضمان استقرار السوق وحماية هذا القطاع من أي هزات قد تؤثر على الاستثمارات القائمة أو تعطل حركة التشييد والبناء التي تمس حياة ملايين المواطنين.