مزاج على صفيح ساخن.. الوجه الخفي لتغير الفصول

نهاد شعبان

مع تغير الفصول لا يتبدل الطقس فقط، بل تتغير أيضًا الحالة النفسية لكثير من الناس بشكل ملحوظ، فبين حرارة الصيف وبرودة الشتاء، وبين تقلبات الخريف وانتعاش الربيع، يعيش البعض حالة من الحزن أو الفتور أو القلق دون سبب واضح، هذه الظاهرة التي تعرف بـSeasonal Affective Disorder أو الاكتئاب الموسمي، والتي أصبحت أكثر حضورًا في السنوات الأخيرة، خاصة مع تغير نمط الحياة وزيادة الضغوط اليومية.

الاكتئاب المرتبط بالفصول ليس مجرد شعور عابر بالكسل أو الملل، بل هو حالة نفسية تتكرر مع توقيت معين من السنة، وغالبًا ما تظهر في فصل الشتاء، وإن كان البعض يعاني منها في الصيف أيضًا، ففي الشتاء، تقل ساعات النهار ويغيب ضوء الشمس لفترات طويلة، ما ينعكس على النشاط اليومي للإنسان، بينما في الصيف قد تؤدي الحرارة المرتفعة والضغط الاجتماعي إلى شعور مشابه، ويرجع السبب الرئيسي وراء هذه الحالة إلى تأثير الضوء الطبيعي على الجسم، فالشمس ليست مجرد مصدر للدفء، بل تلعب دورًا مهمًا في تنظيم الساعة البيولوجية، ومع قلة التعرض للضوء، يحدث خلل في إفراز بعض المواد الكيميائية في الدماغ، ما يؤثر على المزاج والطاقة، لذلك يشعر البعض بالخمول، والرغبة في النوم لفترات أطول، وفقدان الحماس للأنشطة اليومية.

كما أن تغير الفصول يفرض على الإنسان تغييرات في نمط حياته، وهو ما قد لا يتأقلم معه الجميع بسهولة، ففي الشتاء، يميل الناس إلى البقاء في المنزل، وتقل الحركة، وتضعف العلاقات الاجتماعية، وهو ما يخلق بيئة مثالية للشعور بالعزلة، أما في الصيف، فقد يكون الضغط ناتجًا عن التوقعات المرتفعة لقضاء وقت ممتع أو السفر، وهو ما قد لا يتحقق للجميع، فيتحول الإحساس إلى إحباط، ومن الملاحظ أن الاكتئاب الموسمي لا يظهر بنفس الشكل لدى الجميع، فهناك من يشعر بالحزن المستمر، وآخر يعاني من فقدان الشهية أو زيادتها، بينما قد يواجه البعض صعوبة في التركيز أو اتخاذ القرارات، كما أن البعض يصبح أكثر حساسية وانفعالا، حتى تجاه الأمور البسيطة.

ولا يمكن تجاهل تأثير البيئة المحيطة في هذه الحالة، فالمنازل المغلقة، وقلة التهوية، والإضاءة الصناعية الضعيفة، كلها عوامل تزيد من الشعور بالكآبة، كذلك تلعب العادات اليومية دورًا مهمًا، مثل قلة النشاط البدني أو الإفراط في استخدام الهاتف والجلوس لفترات طويلة دون حركة، لكن رغم كل هذه العوامل، يمكن التعامل مع الاكتئاب الموسمي والحد من تأثيره بطرق بسيطة تعتمد على تعديل نمط الحياة، وأول خطوة هي محاولة التعرض للضوء الطبيعي قدر الإمكان، حتى في الأيام الباردة، فالمشي في الصباح أو الجلوس بالقرب من نافذة مضيئة يمكن أن يحدث فرقًا كبيرًا في تحسين الحالة المزاجية.

كما أن الحفاظ على نشاط بدني منتظم يساعد في تنشيط الجسم والعقل، لا يشترط ممارسة رياضة شاقة، بل يكفي القيام بحركات بسيطة أو المشي اليومي. فالحركة تساعد على كسر حالة الخمول وتمنح شعورًا بالحيوية، ومن المهم أيضًا الحفاظ على نظام يومي ثابت قدر الإمكان، خاصة في مواعيد النوم والاستيقاظ، فاضطراب النوم يزيد من حدة الشعور بالاكتئاب، بينما يساعد الانتظام على استقرار الحالة النفسية، كذلك يجب تجنب السهر الطويل، خاصة في فصل الشتاء حيث تقل الطاقة بطبيعتها.

كما أن التواصل الاجتماعي يمثل عنصرًا أساسيًا في مقاومة هذا النوع من الاكتئاب، حتى لو لم يكن هناك رغبة في الخروج أو اللقاء، فإن التواصل مع الأصدقاء أو أفراد العائلة، ولو عبر الهاتف، يمكن أن يقلل من الشعور بالوحدة، لأن الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي، والعزلة تزيد من تفاقم الحالة، كما أن تغيير الروتين اليومي يمكن أن يكون له تأثير إيجابي، مثل تجربة أشياء جديدة، أو هواية مختلفة أو نشاط غير معتاد، وكل ذلك يساعد على كسر حالة الملل المرتبطة بتغير الفصول، حتى التغييرات البسيطة في ترتيب المكان أو إضافة إضاءة أقوى قد تمنح إحساسًا بالتجديد، ولا يقل الغذاء أهمية عن باقي العوامل، فالأطعمة المتوازنة تساعد في تحسين الطاقة والمزاج، بينما قد يؤدي الإفراط في السكريات أو الوجبات السريعة إلى زيادة الشعور بالخمول، لذلك فإن الاهتمام بما نأكله يعد جزءًا من الحفاظ على الصحة النفسية.