
في ظل تشابك المصالح الدولية وتقلبات الحسابات السياسية، فإن الحرب المشتعلة حاليًا بين أمريكا وإسرائيل في مقابل إيران لن تقتصر فقط على طرفي الصراع، بل يُعتقد أنها ستمتد لتطال النظام الإقليمي كله في منطقة الشرق الأوسط، بل ربما ستعمل على إعادة موازين القوى وتغيير في شكل التحالفات والنفوذ في المنطقة.
ورغم أنه من السابق لأوانه تلخيص تداعيات الحرب، أو الحديث عن تحولات موازين القوى في المنطقة، حيث لم تختتم المفاوضات بين طهران وواشنطن، فقد يكون وقف إطلاق النار لايزال قائمًا، وقد تستأنف العمليات العسكرية، بل وتتصاعد حدتها، فأي تقييم لأثار الحرب وخصوصًا الإقليمية منها يتطلب منظور زمني لتتبع الأحداث،وتأثير ذلك على القوى الإقيليمة في المنطقة الممتدة من باكستان شرقا، وإيران ودول الخليج وعلى رأسها السعودية ثم مصر وتركيا، وكذلك إسرائيل.

إيران.. درجة الصمود
ورغم أن الحرب على إيران ألحقت أضرارًا جسيمة بالنظام الإيراني واقتصاده وقدراته العسكرية، إلا أن النظام أظهر صمودًا كبيرًا في مواجهة التهديدات الخارجية والداخلية، مُثبتًا قدرته على الصمود أمام هجوم مشترك من واشنطن كدولة عظمى وتل أبيب.
وبرزت قيادات بديلة سريعًا بعد اغتيال القيادة العليا، وبقيت معظم أنظمة إطلاق الصواريخ الباليستية مخفية أو نجت في الأنفاق، وظلت منظومة الطائرات المسيرة فعالة وتهديدية. ولا يزال مصير مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% وأجهزة الطرد المركزي المخزنة تحت الأرض غير واضح، ما يُعني أن الضرر الذي لحق بإيران لم يفقدها أدوات الضغط الرئيسية، بما في ذلك قدرتها على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وإلحاق ضرر أكبر بدول الخليج، والحفاظ على وكلاء مسلحين إقليميين، تشكل هذه الأدوات مجتمعةً أداةً استراتيجيةً قد تمكن طهران من ممارسة الضغط في المستقبل عبر سياقات متنوعة.

السعودية والحفاظ على المكتسبات
بغض النظر عن كيفية انتهاء الصراع، تدرك المملكة العربية السعودية ضرورة الحفاظ على اقتصادها واستقلالها الاستراتيجي، بعيدًا عن الخليج، فستواصل المملكة الاعتماد على الولايات المتحدة للحصول على بعض الدعم، لكن سيتعين عليها تعزيز ذلك بتعميق تحالفها الإقليمي مع مصر وباكستان وتركيا، وزيادة اعتمادها على الصين. كما ستحتاج إلى السعي نحو اتفاق جديد مع إيران لإدارة تداعيات الحرب.
وإذا تمكنت من تحقيق ذلك وحشدت دعما من جميع دول مجلس التعاون الخليجي لموقفها “بما في ذلك الإمارات والبحرين اللتين تضغطا من أجل موقف أكثر حزمًا تجاه طهران”، فسيكون لديها فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي والعالمي بعد انتهاء الحرب، بدلًا من أن يتراجع.
كما تشير التقديرات إلى وجود فريق خليجي تقوده السعودية يفضل الدبلوماسية مع إيران أمام فريق إماراتي يريد من تل أبيب وواشنطن القضاء على طهران. وهو ما يمنحها الأفضلية أمام الإمارات في الهيمنة على منطقة الخليج العربي وكقوة إقليمية مسيطرة.

مصر ومعادلة الأمن القومي العربي
منذ بداية الحرب على إيران، ومحاولات التوازن بين مصالح الأمن القومي العربي والقانون الدولي، أعلنت مصر إدانتها للهجوم الإيراني على الدول الخليجية، كما أكدت القاهرة على استعدادها لبذل جهود للتوسط وإعطاء الأولوية للحلول السياسية والدبلوماسية، أسفرت جهود القاهرة الدبلوماسية بجانب باكستان إلى الوصول إلى وقف إطلاق النار الهش الذي سينتهي يوم الإربعاء.
ويحكم موقف مصر موقعها الجيوسياسي وتاريخها الدبلوماسي، لعبت القاهرة دور الوسيط المضطلع بحل معضلة إنهاء الحرب، من خلال حماية دول الخليج، وضمان تعرضها لاعتداءات طهران في المستقبل وضمان الاستقرار للمحيط الإقليمي، مع ضمان خفض التصعيد وبماء الثقة بين الأطراف المتشككة، وهما ما سيمكن مصر من صياغة مبادرات إقليمية تستند إلى مبادئ القانون الدولي وتحظى بموافقة الأطراف المشاركة.
إن دور مصر في هذه المرحلة الحرجة يعكس جهدًا جادًا لتجنب الانزلاق إلى سيناريوهات كارثية تهدد مستقبل الشرق الأوسط، فمن خلال رفض العدوان الإيراني والتضامن الكامل مع دول الخليج، وفي الوقت نفسه معارضة الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، تقدم القاهرة نموذجًا لموقف متوازن متجذر في مبادئ القانون الدولي، يعطي الأولوية لمصالح الشعوب على حساب السياسة.

تركيا والصراع مع تل أبيب
تتواجد تركيا على الساحة كقوة إقليمية، ما وجه أنظار تل أبيب إلى ضرورة إضعافها بعد الانتهاء من الحرب على إيران، حيث تصفها تل أبيب بـ” إيران الجديدة”، وذلك نتيجة أن تركيا على أعتاب إبرام اتفاقية أمنية مع السعودية، تستفيد السعودية بموجبها من التكنولوجيا والخبرات العسكرية التركية لتعزيز صناعتها الدفاعية والمحلية وإنتاج الطائرات المسيرة. وتحاول تركيا الاستمرار بلعب دور الدبلوماسي في المنطقة، في ظل التوترات الجيوسياسية والاقتصادية في المنطقة، فمن خلال استمرارها في التوسط بجانب مصر وباكستان في ملف المفاوضات، يمنحها أفضلية على الساحة الإقليمية.

باكستان ودور الوساطة
تبرز باكستان كوسيط إقليمي من خلال اتفاقيات التعاون الأمني المشترك مع السعودية، وجهود الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران حاليا لإنهاء الحرب الدائرة والتي نجم عنها إغلاق مضيق هرمز، بالإضافة لعلاقات تاريخية للوساطة ما بين الصين والولايات المتحدة، على الرغم من كونها بلد يعتمد على مساعدات صندوق النقد الدولي، ويعد الجيش الباكستاني أهم هذه الجهات الفاعلة، إذ مثلت قدراته العسكرية خدمة قابلة للتصدير إلى قوى متنافسة متعددة في آن واحد، وضع ذلك النمط باكستان في قلب الجهود المبذولة لتأمين وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.
تسعى باكستان إلى الحصول على الدعم من جهات خارجية لأن قدرتها على الردع تحمي حدودها، لكنها لا تسدد فواتيرها، من خلال ذلك بدأت باكستان في توسيع دائرة تعاونتها الثنائية من القوى الإقليمية في المنطقة، وتقع باكستان عند ملتقى جنوب آسيا والخليج العربي وآسيا الوسطى وغرب الصين، وهو موقع جعلها ذات أهمية بالغة لكل قوة خارجية سعت إلى النفوذ في المنطقة.
فكانت باكستان للولايات المتحدة خلال الحرب الباردة، بمثابة الركيزة الجنوبية لسياسة الاحتواء. وبالنسبة للصين، فهي تمثل نهاية الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني والجسر البري المؤدي إلى بحر العرب. أما بالنسبة للمملكة العربية السعودية، فهي مصدر القوى البشرية العسكرية، وحامية المصداقية العسكرية السنية التي تحتاجها المملكة بشكل متزايد في ظل بيئة تتشكل بفعل النفوذ الإيراني.
تصاغ السياسة الخارجية الباكستانية سلبًا وإيجابًا، من قبل الجيش،وهو ما ينتج مشاكل موثقة جيدًا، كالتسامح مع الشبكات المسلحة، واللعبة المزدوجة التي أحبطت كل إدارة أمريكية منذ عام ٢٠٠١. كما ينتج أيضًا سرعة وتماسكًا في اللحظات الحاسمة، ولهذا السبب كان رئيس أركان الجيش الباكستاني عاصم منير، هو من أجرى الاتصال الهاتفي مع ترامب وطهران في الأسبوع نفسه.

إسرائيل وفقدان الشرعية
تسعى إسرائيل إلى تعريف نفسها كقوة إقليمية صاعدة في الشرق الأوسط، معتمدة على قدرتها على بسط نفوذها عبر مسارح عمليات متباعدة، أي النطاق العملياتي الواسع، وقدرتها على احتواء خصومها على جبهات متعددة على أنه نقطة تحول استراتيجي تعزز من صورتها كقوة إقليمية صاعدة.
وتعتمد إسرائيل في تصنيف نفسها كقوة إقليمية صاعدة على التفوق العسكري “القوة الصلبة”، فإسرائيل تعد القوة العسكرية الأكثر تقدمًا في المنطقة “تعتمد في ذلك على إمدادات الولايات المتحدة وإن كانت تسعى الآن إلى تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، والميزانية الضخمة المرصودة لوزارة الدفاع”، كما أنها تعتمد على مبدأ الغموض النووي وهو ما يمنحها ميزة استراتيجية.
وتسعى إسرائيل من حربها على إيران إلى فرض نفسها كقوة إقليمية في المنطقة، وربط قدرتها العسكرية بمبدأ النفوذ الإقليمي، حيث تربط إسرائيل الحرب بقدرتها الاستعراضية لنطاقها الاستراتيجي في المنطقة.
وتتغافل إسرائيل في توصيف نفسها كقوة إقليمية على الشرعية، فالقوة الإقليمية تعتمد على مثلث من القدرات السياسية والاقتصادية والعسكرية، والاستعداد لاستخدام القوة ، والاعتراف بالمكانة الإقليمية، فعلى الرغم من قدرتها التكنولوجية والتطور الاقتصادي “تصنف كثالث أكبر اقتصاد في المنطقة بعد السعودية وتركيا”، ومحاولات إضفاء الصفة السياسية من خلال صفقات “إبراهام” للاندماج الإقليمي، وغطاءها الدبلوماسي نتيجة علاقتها الوطيدة مع أمريكا “الحليف الأول للولايات المتحدة في الشرق الأوسط”، لازالت إسرائيل لا تحظى بالشرعية والاعتراف الإقليمي بها كقوة، فالعمليات العسكرية التي قامت بها تل أبيب لم تغير بشكل جوهري من موازين القوى في الشرق الأوسط.
يرجع افتقار إسرائيل إلى الشرعية كفوة إقليمية إلى قضية الصراع الفلسطيني، فطالما لم تحل القضية الفلسطينية، فإنها ستظل أكبر عائق أمام تل أبيب في الاندماج في المنطقة، كما أن إسرائيل تعاني من الاستنزاف الداخلي نتيجة الخلافات السياسية العميقة والعبء المالي للعمليات العسكرية المستمرة، والذي يؤثر على مساعيها في تحقيق استقرار كقوة إقليمية مستمرة.
لذا يمكن القول أن إسرائيل تمثل قوة عسكرية في المنطقة، وترجع قدراتها العسكرية إلى حليفتها الولايات المتحدة، إلا أنها لازالت تعتمد عليها في الجانب الاستراتيجي، لكن لا يعني ذلك على الأقل من وجهة نظرنا إلى رفعها لمصاف القوى الإقليمية الحقيقية في الشرق الأوسط.

دول الخليج ومحدودية الاعتماد على أمريكا
لم تحسن الحرب بين إيران والولايات المتحدة الوضع الاستراتيجي لدول الخليج، فرغم الخسائر التي تكبدتها إيران، أظهرت طهران مرونة مع الحفاظ على أدوات الضغط الرئيسية، وتحديدًا قدرتها على تعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وبما أن الحرب قد أبرزت محدودية الاعتماد على الضمان الأمني الأمريكي، ونظرًا لغياب وجود بدائل أخرى، من المرجح أن تستمر دول الخليج في اتباع استراتيجية التحوط، وهى الاعتماد على الولايات المتحدة، تعزيز الاكتفاء الذاتي العسكري خاصة في مجالي الدفاع الصاروخي والطائرات المسيرة، إلى جانب التنوع في الشراكات الإقليمية، ومحاولة التخفيف من حدة التوتر مع إيران.
لا تشكل دول الخليج كتلة واحدة متجانسة، فقد أبرزت الحرب اختلافات جوهرية بين دول الخليج الست فيما يتعلق بالنهج الأمثل تجاه طهران، وسير الحملة وأهدافها ومدتها، وقد صعبت هذه الخلافات الجهود المبذولة لصياغة سياسة خليجية موحدة، وقوضت القدرة على عزل طهران، وعرقلت مساعي التوصل إلى توافق في الآراء بشأن اتخاذ إجراءات ضدها، وحافظت عُمان على أكثر العلاقات انفتاحًا مع إيران، ولم تتخذ أي إجراء ضدها، بل قد تنظر إليها إيران كشريك محتمل في مراقبة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز والإشراف عليها.

الممر الصيني وخريطة التحالفات
يأتي مشروع الربط الرئيسي للصين مع باكستان، وهو الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني “CPEC”، يُمثل هذا المشروع استثمارًا يقارب 62 مليار دولار أمريكي، ويعد أداةً أساسية لتجاوز معضلة مضيق ملقا الذي يقع جنوب شرق آسيا، وهي نقطة الضعف الاستراتيجية التي تُجبر الصين على نقل ما يقارب 80% من وارداتها النفطية عبر مضيق ملقا.
من خلال الاستثمار في الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني وميناء جوادر، تستطيع دول الخليج على رأسها السعودية إبرام اتفاقيات تدمج طرقها البحرية مع الممرات البرية المؤدية إلى آسيا الوسطى. وهو ما يُتيح لدول الخليج ترسيخ مكانتها كمراكز محورية في خريطة تجارية جديدة متعددة الأقطاب.
وتكمن مشكلة الخليج في غياب بدائل جيدة، فلا توجد قوة عالمية أخرى قادرة على حماية دول الخليج، كما تتجنب الصين الدخول في صراع عسكري مباشر مع واشنطن، لتعارضه مع خططها الاقتصادية والتنموية،أما روسيا فتفتقر القدرة العسكرية للتأثير على الساحة كما تفعل الولايات المتحدة، لتورطها في الحرب مع أوكرانيا.
وكما اتضح، فإن التحالفات مع القوى العسكرية الإقليمية -باكستان وتركيا- هي أقرب إلى الدبلوماسية العامة منها إلى الحماية الأمنية الحقيقية، ففي الواقع لم يكن لاتفاق باكستان العسكري للسعودية والقاعدة التركية في قطر أي تأثير على عملية صنع القرار الإيرانية أو استخدامها للقوة، وعلى الخليج أن يأخذ زمام أمنه بنفسه.
ومن المرجح أن تسعى كل من باكستان ومصر والسعودية وقطر والصين إلى صياغة تحالف أمني وسياسي قائم على التحالفات، وإن لم يكن في الصورة التقليدية المعروفة وإنما سيكون متعارف عليه بينهم كقوى إقليمية بالإضافة إلى الصين كقوة عظمى صاعدة.






