
تلقت ثلاث عشرة سفينة، من بينها ناقلات نفط، ضربات موجعة أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز، في وقت تعرضت فيه عشرات السفن الأخرى للتدمير أو الغرق، كما تم استهداف ما لا يقل عن اثنتين وعشرين سفينة وحاوية تجارية مدنية، معظمها مرتبطة بنقل النفط والبتروكيماويات.ورغم أن الهجمات بدت وكأنها موجهة ضد دول بعينها، فإن الضحايا الحقيقيين كانوا الطواقم متعددة الجنسيات على متن هذه السفن، إلى جانب المصالح الاقتصادية المشتركة للدول المرتبطة بحركة نقل الطاقة العالمية.
في تلك الهجمات على السفن في عرض البحر، قدرت الأمم البحرية IMO عدد البحارة القتلى إلى مايقارب إلى 12 بحار جنسياتهم من دول: الهند، الفلبين، باكستان، روسيا، وأوكرانيا، بينما سجلت فُقدان حوالي 10 بحارة من جنسيات دول: آسيا، جنوب آسيا، وتايلاند، كان ذلك بسبب غرق السفينة أو الإنفجار، وحتى الآن لايوجد قائمة رسمية بعدد وأسماء البحارة القتلى والمفقودين مع وجود أرقام يمكن الإستناد عليها رسمياً.
رغم إعلان إيران السماح بمرور السفن الغير معادية ـبحد وصفها- وذلك قبل أيام من إعلانها إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل -في يوم الجمعة الموافق 17 ابريل الحالي-، فإن المخاطر الأمنية والغموض جعلا العبور مقامرة مكلفة للأرواح، ورغم أن الحبارة يصنفون بأنهم مدنيين، فإن واقع العمليات العسكرية يضعهم في قلب المعركة دون ضمانات حقيقية.
وفقًا لاتفاقية “MLC 2006” الخاصة بالعمل البحري، فإن احتجاز البحارة على متن السفن لفترات طويلة تتجاوز عقود عملهم، أو هجرهم، انتهاك صارخ للقانون البحري الدولي، وتلزم الاتفاقية الملاك بضمان عودة البحارة إلى ديارهم، وتعتبر بقاءهم دون أجر أو إمدادات “هجراً” يستوجب تدخل السلطات، ويضع السفينة وطاقمها تحت طائلة المسؤولية القانونية في الموانئ التي يرسون بها.

عودة بحارة
من بين هؤلاء البحارة من تمكنوا من العودة إلى بلادهم ليقصوا علينا مشاهد الخوف والانتظار، بين 2000 سفينة عالقة، على متنها أكثر من 20 ألف بحار، عالقين في بين السماء وعرض البحر، في انتظار أمل للممر والعبور والإنساني، وفقا لتقديرات الخبراء، يبقى التنفيذ محفوفا بالخطر في ظل عدم القدرة على تنظيم حركة مئات السفن دفعة واحدة.
مراج أنوج، وهو بحار هندي كان يعمل على متن سفينة دعم عالقة في أحد موانىء الخليج يختصر الموقف في كلمات ” كنا عالقين.. الصواريخ فوقنا والانفجارات في كل مكان، الإمدادات متوقفة والاتصالات منقطعة، وضغط نفسي مستمر، لآلاف البحارة الذين لايمكلون قرارًا للمغادرة”.
بحارة بلاحماية
يقف آلاف البحارة المدنيين -بلا حماية كافية ولاطريق واضح للعودة-، الأزمة بدأت كصراع جيوسياسي وتحولت سريعا إلى مأساة إنسانية يعيش تفاصيلها آلاف البحارة العالقين في الخليج وفق تقديرات الأمم البحرية.
أشارت تصريحات القبطان رمان كابور، الذي ظل طاقم سفينته عالقا في الخليج العربي قرب مضيق هرمز في شهر فبراير السابق، بأنهم مثلهم مثل سفن الشحن الأخرى “ضحايا جانبيون منسيون لا علاقة لهم بما يحدث من صراع”.
وأضاف كامور، أن الحرب مع إيران تسببت في مشكلات كبيرة لحركة الملاحة الدولية عبر المضيق، مؤكدا أن التداعيات بدأت تمس حياة نحو 5 مليارات شخص حول العالم، وأوضح كابور أن النقص الحاد في إمدادات الوقود والأسمدة يهدد المواسم الزراعية في دول كبرى مثل: الهند والفلبين والصين، محذرا من موجة تضخم غير مسبوقة في أسعار الغذاء وتهديد مباشر للأمن الغذائي العالمي خلال الأشهر القادمة.
هجوم سفينة “سيفسي”و الضحية بحار
بالقرب من مضيق هرمز، وفي تمام الساعة 23:45 بالتوقيت المحلي للعراق، بتاريخ 11 مارس، الموافق 20:45 بتوقيت غرينتش، و00:45 من يوم 12 مارس بتوقيت مضيق هرمز (توقيت الخليج)، اندلع حريق عنيف في ناقلة نفط داخل ميناء خور الزبير، قرب مدينة البصرة، في المياه الإقليمية العراقية، الناقلة، التي تحمل اسم “سيفسي فينشو”، مملوكة لجهة أمريكية وترفع علم جزر المارشال، وقد أسفر الحادث عن مقتل أحد أفراد الطاقم، وهو بحّار هندي الجنسية، ووصِف الهجوم بأنه متعمد ويحمل طابعًا انتحاريًا، حيث وقع أثناء رسوّ الناقلة داخل الميناء، في ظروف تشير إلى استهداف مباشر، أثناء إجراء عمليات الشحن والتحميل الروتينية للسفينة لاستكمال تحميل مايقارب من 53 ألف طن متري من النفط.
أسفر الاستهداف إلى مقتل أكبر بحار في طاقم السفينة ” هندي الجنسية”، واتهمت الشركة المالكة للسفينة الحرس الثوري الإيراني بالهجوم.
بينما كان يصارع باق البحارة من أجل النجاة، قبل الهجوم بدقائق كانت السفينة راسية وكانت خيارات الإجلاء محدودة، وأثناء الإنفجار تم إنزال قوارب النجاة على الجانب الأيسر والتي تضررت بشكل كبير مما جعل عملية الإجلاء خطيرة أما الجانب الأيمن فقد ركنت السفينة لاستقبال ونقل عمليات التحميل مما زاد الأمر صعوبة.
انتشر الحريق في كل مكان، لحظات مرعبة اضطر الفريق بالكامل إلى القفز في المياه للهرب من السفينة المحترقة لقد أنقذتهم شجاعتهم وغريزة البقاء، حيث تمكن الــ27 من أفراد الطاقم من النجاة وتحركت القوات العراقية والسفارة الهندية لمتابعة وتنسيق عودتهم للوطن، بينما الحزن لايفارقهم على خسارة زميلهم البحار.
على إثر هذه الواقعة، صرح سف أنشي sv anchan رئيس مجلس إدارة شركة سيفسي جروب safesea group sv إن ما حدث لابد أن يكون بمثابة جرس إنذار للحكومات بأن ممرات الشحن التجاري يمكن أن تتحول إلى ساحات للمعارك، الجنود والنساء البحارة ليسوا جزءا من الحملة العسكرية ولكنهم جنود صامتون يعملون للنقل والمحافظة على التجارة والطاقة العالمية، أشار ” أنشي” إن ناقلة النفط سيفسي تيلغ طولها 228.6 مترا وعرضها 32.57 بنيت عام 2007 وتبحر وتبلغ حمولتاه 42.010 طن، في إشارة إلى إن الشركة تقوم بإجراءات قانونية لملاحقة من قاموا بهذا الفعل متهمًا إيران والحرس الثوري بإرتكاب الهجوم على السفينة.
أزمة إنسانية تتفاقم
وحتى العاشر من أبريل، تلقّى الاتحاد الدولي لعمال النقل نحو ألف طلب من بحّارة عالقين، تنوّعت بين مطالب بالعودة إلى أوطانهم وشكاوى من نقص الغذاء والمياه والوقود، مما يعكس عمق الأزمة الإنسانية المتفاقمة، ولا تقتصر معاناة البحّارة على الضغوط المعيشية أو أخطار الاستهداف، بل تمتد إلى حالة من الغموض بشأن مستقبل الأزمة، حيث يفاقم غياب الأفق الزمني لإنهائها وشعورهم بالقلق والضياع.
ويواجه البحارة أوضاعا قاسية منها ترشيد الطعام والمياه، البقاء لشهور قسريا على متن السفينة، عجز الشركات عن إعادتهم أو رفضها ذلك خوفًا من الخسائر.

يعلق الصحفي السوري إياد خليل وهو مختص في ملف النقل البحري “لــ”ليبرالي” قائلا أن الوضع الحالي في مضيق هرمز معقد جدا.
يشير “خليل” أن الحرس الثوري الإيراني حذر من أي تحركات للسفن في الخليج أو بحر عُمان، كما دعا” خليل” جميع السفن و مالكيها إلى متابعة الأخبار والتعليمات فقط عبر المرجع الرسمي للقوات البحرية للحرس الثوري ومن خلال قناة الاتصال البحرية رقم 16.
يتابع ” خليل” حركة السفن مشيرا ليوم الجمعة الموافق 17 أبريل الحالي، بعدم تسجيل حركة مرور للسفن، إذ أن بعض السفن داخل الخليج تنتظر الخروج، وأخرى خارجه تنتظر وضوحاً أمنياً قبل العبور، لكن بيانات الملاحة تشير إلى أن الاختناق ما زال كبيراً، فنحو 500 سفينة من ناقلات النفط والكيماويات والمنتجات البترولية وناقلات الغاز المسال كانت داخل نطاق هرمز وتنتظر الخروج وفق بيانات وكالة ستاندرد آند بورز غلوبال SP Global المنشورة في 8 أبريل، فيما تشير تقديرات Lloyd’s List إلى وجود أكثر من 600 سفينة عالقة داخل المضيق.
يؤكد ” خليل” إلى أن بعض الشركات لجأت إلى إجلاء مؤقت لجزء من طاقمها وإرساله إلى المدينة الساحلية الأقرب، لضمان عدم نفاد الإمدادات التموينية على السفينة كما يمكن لهذه السفن التزود بالوقود أو بالإمدادات التموينية من الدول المجاورة، مثل سلطنة عُمان والسعودية.
يعلق “خليل” قائلا على وضع السفن المعلقة أن البحّارة يواجهون ظروفاً قاسية، حيث تتناقص الإمدادات وتتصاعد مستويات الإجهاد البدني والنفسي، في ظل عزلة قسرية داخل حجرات ضيقة يقضون فيها ساعات طويلة في انتظار انفراج الأزمة، بعيش البحّارة تحت تهديد دائم، مع تحليق مسيّرات وانفجارات قريبة من سفنهم، مما يجعل أي لحظة عرضة لتحوّل كارثي قد يودي بحياتهم، و ورغم وجود آليات لإعادة البحّارة إلى أوطانهم، فإن تنفيذها يواجه تعقيدات كبيرة، إذ يتطلب استبدال كل بحّار بآخر، وهو أمر شبه مستحيل في ظل الأخطار الحالية وتعطّل حركة الملاحة في المنطقة.

وفي السياق ذاته، كشف تحليل البيانات الشهري لشركات النقل البحري خلال أبريل، استنادًا إلى بيانات شركة “كبلر”، عن وجود 800 سفينة عالقة وتُشكل ناقلات النفط والغاز الجزء الأكبر من السفن العالقة، ويوجد حالياً 426 ناقلة نفط خام ووقود، بالإضافة إلى 34 ناقلة غاز بترول مسال و 19 ناقلة غاز طبيعي مسال، أما السفن المتبقية فتحمل سلعا مثل المنتجات الزراعية أو المعدنية.
كما تظهر بيانات شركة كبلر للتحليلات أن هناك حوالي 130 مليون برميل من النفط الخام و46 مليون برميل من الوقود المكرر حاليا في المنطقة على متن ما يقرب من 200 ناقلة.
وفقا لتحليلات شركة لويدز Lloyd’s List للتأمين البحري فإن أكثر من 600 سفينة شحن تزيد حمولتها على 10 آلاف طن ما زالت عالقة في الخليج الأوسط/الخليج العربي، بينها 325 ناقلة، منها 154 محملة ببضائع، وفي أحدث لقطة تشغيلية، أظهرت بيانات قائمة لويدز أن 15 سفينة شحن كبيرة فقط من أصل 27 استخدمت المسار الإيراني المخصص منذ 13 أبريل الحالي.
وأشارت وكالة ستاندر آند بورز الأميركية أن معظم السفن العالقة في مضيق هرمز هي سفن نفط وكيماويات ومنتجات بترولية وغاز مُسال، حيث يمر عبر المضيق نحو 20% من شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً، لذلك فالحمولات الأكثر حساسية في الأزمة كانت النفط الخام والمنتجات المرتبطة به والغاز.






