المنح الدراسية الخارجية تحت المجهر.. من المستفيد الحقيقي؟

أشرف أمين

بعثات الخارج: كفاءة تُكافأ أم علاقات تحسم الاختيار؟

تُعد المنح الدراسية الخارجية واحدة من أهم أدوات تطوير التعليم العالي وبناء الكوادر الأكاديمية في مصر، حيث تتيح للطلاب والباحثين فرصة لاكتساب خبرات علمية دولية ونقلها إلى الداخل، لكن وسط الزخم الإعلامي حول هذه المنح، يبرز سؤال جوهري لا يزال مطروحًا من هو المستفيد الحقيقي من هذه الفرص؟، هل هم الباحثون الأكفاء الذين يحتاجون إلى الدعم؟ أم تتحول المنح أحيانًا إلى امتيازات نخبوية لا يصل إليها إلا القادرون والمحظوظون؟.

تنوع المنح واتساع نطاقها
خلال السنوات الأخيرة، توسعت مصر في برامج المنح الدولية بالتعاون مع الولايات المتحدة، وأوروبا، والصين، واليابان، والمملكة المتحدة، من خلال مبادرات مثل: برنامج فولبرايت، تشيفنينغ، وإيراسموس، إلى جانب المنح المقدمة من الدولة ضمن بعثات وزارة التعليم العالي.

ووفق بيانات الوزارة، فقد تجاوز عدد المستفيدين من هذه البرامج في السنوات الخمس الأخيرة عدة آلاف من الباحثين والطلاب في مجالات الهندسة، والعلوم، والطب، والذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، لكن رغم هذا الاتساع العددي، تظل إشكالية العدالة في الاختيار والتوزيع قائمة.

معايير الاختيار.. بين الكفاءة والعلاقات
من حيث المبدأ، تعتمد أغلب المنح على معايير واضحة مثل التميز الأكاديمي، وإجادة اللغة، والمقابلات الشخصية، إلا أن بعض المنتقدين يشيرون إلى أن التطبيق الفعلي لهذه المعايير لا يكون دائمًا شفافًا، وأن هناك أحيانًا مساحة للعلاقات أو الانتماءات المؤسسية التي ترجح كفة البعض على حساب آخرين، حيث تقول سارة الجوهري، باحثة في كلية العلوم بجامعة القاهرة:” قدمت مرتين لمنحة في الخارج، واستوفيت كل الشروط، لكن في كل مرة يتم اختيار أسماء محددة من داخل دوائر معينة، الأمر يحتاج لمزيد من الشفافية والمتابعة”.

عودة العقول أم هجرة العقول؟
إحدى الإشكاليات الكبرى المرتبطة بالمنح الخارجية هي مدى عودة المبعوثين للاستفادة منهم في الداخل بعد انتهاء دراستهم، فبينما تهدف الدولة إلى نقل الخبرات الأجنبية إلى الجامعات المصرية، تشير بعض التقارير إلى أن نسبة غير قليلة من المبعوثين لا يعودون، مفضلين الاستقرار المهني في الخارج حيث تتوفر بيئات بحثية أفضل.

ويعلق الدكتور هشام عبد الرازق، أستاذ العلاقات الدولية بأن:” المشكلة ليست في إرسال الطلاب، بل في عدم وجود حوافز كافية لعودتهم، فالكثير منهم يصطدم ببيروقراطية التعيين وضعف الإمكانيات البحثية عند الرجوع”.

الحاجة إلى رؤية وطنية
ويرى الخبراء أن المنح الخارجية يمكن أن تكون قوة ناعمة حقيقية إذا أُديرت ضمن رؤية وطنية متكاملة، فبدل أن تُعامل المنحة كـ”فرصة سفر فردية”، يجب أن تكون جزءًا من خطة الدولة لبناء تخصصات نادرة وتطوير الجامعات، ويقترح المتخصصون بإنشاء قاعدة بيانات موحدة للمبعوثين، وربط برامج المنح باحتياجات سوق العمل، ومتابعة دورية لما يقدمه المستفيدون بعد عودتهم.

مبادرات جديدة وإشارات إيجابية
في السنوات الأخيرة، بدأت وزارة التعليم العالي في تشديد الرقابة على عودة المبعوثين ومتابعة تأثيرهم الأكاديمي، كما أطلقت مبادرة “علماء الجيل القادم” لدعم الباحثين محليًا دون الحاجة للسفر المكثف، كما بدأت بعض الجامعات في تدوير خبرات المبعوثين العائدين عبر ورش عمل وتدريب زملائهم على أحدث التقنيات العلمية.