من “الخرزة الزرقاء” إلى الثقة العمياء في الخوارزميات.. رحلة الخرافة من الموروث الشعبي للعصر الرقمي

نهاد شعبان

رغم التطور التكنولوجي غير المسبوق الذي يشهده العالم كله، وصعود الذكاء الاصطناعي كقوة لها تأثير كبير وواضح في تفاصيل حياتنا اليومية، لم تختفِ الخرافات كما توقع الكثيرون، بل يبدو أنها أعادت تشكيل نفسها في أشكال جديدة تتماشى مع العصر، فالإنسان الذي كان يلجأ دائمًا إلى “الخرزة الزرقاء” للحماية من الحسد، أصبح اليوم يثق في الخوارزميات والتطبيقات بنفس الدرجة، وأحيانًا دون فهم حقيقي لكيفية عملها، وهذا التحول يكشف أن المشكلة ليست في الأدوات، بل في طريقة تفكير الإنسان نفسه.

ما هي الخرافة؟
الخرافة ليست مجرد فكرة غير علمية، بل هي محاولة إنسانية لتفسير ما يبدو غامضًا أو خارج السيطرة، ومع تطور المجتمعات، تغيرت أشكال هذه التفسيرات، لكنها لم تختفِ حتى الأن، فبدلًا من ربط الأحداث بقوى خفية، أصبح البعض يربطها بالتكنولوجيا بشكل مبالغ فيه، وهنا تتحول الخرافة من معتقد شعبي بسيط إلى قناعة حديثة مغلفة بلغة علمية، لكنها تفتقر إلى الفهم الحقيقي.

ورغم التقدم العلمي الهائل، لا تزال الخرافات حاضرة بقوة في حياة الناس، ويرجع ذلك إلى أن العلم لا يلبي دائمًا الاحتياجات النفسية للإنسان، مثل الشعور بالأمان أو السيطرة على المستقبل، وفي المقابل، تقدم الخرافة إجابات سريعة وبسيطة، حتى لو كانت غير دقيقة، ومع تعقيدات الحياة الحديثة وزيادة الضغوط، يصبح اللجوء إلى هذه التفسيرات السهلة أكثر إغراءً.


لماذا لا تختفي الخرافات رغم التقدم العلمي؟

يميل العقل البشري بطبيعته إلى البحث عن أنماط وربط الأحداث ببعضها، حتى في غياب دليل حقيقي، هذا الميل يجعل الإنسان أكثر عرضة لتصديق الخرافات، خاصة إذا كانت متداولة في محيطه الاجتماعي، كما تلعب الثقافة دورًا مهمًا في ترسيخ هذه المعتقدات، حيث تنتقل من جيل إلى آخر دون مراجعة، وهكذا تصبح الخرافة جزءًا من التفكير اليومي، وليس مجرد فكرة عابرة.

مفاهيم قديمة
في المجتمعات التقليدية، كانت الخرافات تدور حول مفاهيم مثل الحسد والحظ والطاقة غير المرئية، وكانت هذه المفاهيم تُستخدم لتفسير النجاح والفشل، المرض والشفاء، وحتى العلاقات الإنسانية، ورغم بساطتها، كانت توفر شعورًا بالراحة لأنها تقدم تفسيرًا جاهزًا لكل شيء، لذلك استمرت هذه الأفكار لعقود طويلة، وأصبحت جزءًا من التراث الشعبي.

العصر الرقمي وانتشار الخرافة
مع انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، لم تختفِ الخرافة، بل وجدت بيئة مثالية للانتشار والتجدد، فالمعلومات غير الدقيقة تنتشر بسرعة كبيرة، وتتحول إلى “حقائق” بمجرد تداولها على نطاق واسع، كما أن المحتوى الرقمي ساهم في إعادة تقديم الخرافات بشكل عصري، يجعلها أكثر قبولا لدى الأجيال الجديدة، وهكذا أصبحت الخرافة أكثر انتشارًا، ولكن بملامح حديثة، كما أنه في العصر الرقمي، ظهرت خرافات من نوع جديد أبرزها الثقة المطلقة في التكنولوجيا، فهناك من يعتقد أن الذكاء الاصطناعي لا يخطئ، أو أن التطبيقات تقدم نتائج دقيقة دائمًا، وهذه النظرة تتجاهل أن هذه الأدوات صممتها عقول بشرية، وبالتالي فهي قابلة للخطأ، ومع ذلك، يتعامل البعض معها وكأنها مصدر للحقيقة المطلقة، وهو ما يعيد إنتاج التفكير الخرافي بشكل مختلف.

دور السوشيال ميديا
أصبحت الخوارزميات جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية، حيث تحدد ما نراه ونقرأه وحتى ما نشتريه، لكن المشكلة تظهر عندما يتم التعامل معها كقوة غامضة تتحكم في المصير، هذا التصور يقترب من فكرة التمائم القديمة، التي كان يُعتقد أنها تملك تأثيرًا خفيًا على الواقع، كما أن الفارق الوحيد هو أن الخرافة القديمة كانت مرئية، بينما الحديثة تتخفى خلف شاشات التكنولوجيا، كما تلعب وسائل التواصل الاجتماعي ومنأهمها “الفيس بوك” دورًا كبيرًا في تضخيم الخرافات ونشرها بسرعة غير مسبوقة، حيث أن المحتوى المثير والغريب يحظى بانتشار أكبر، بغض النظر عن صحته، كما أن المستخدمين يميلون إلى تصديق ما يتوافق مع معتقداتهم، مما يزيد من انتشار هذه الأفكار، وبمرور الوقت، تتحول الخرافة إلى “حقيقة” في نظر الكثيرين، فقط لأنها متداولة على نطاق واسع.

أما من حيث الفرق بين الإيمان الشعبي والعلم، فالإيمان الشعبي يعتمد على التجارب الشخصية والتقاليد، بينما يقوم العلم على الأدلة والتجارب القابلة للتحقق، وتظهر المشكلة عندما يتم الخلط بين الاثنين، فيتم التعامل مع الرأي الشخصي كحقيقة علمية، وهذا الخلط يفتح الباب أمام انتشار الخرافات، خاصة عندما يتم تقديمها بلغة تبدو علمية، لذلك يصبح من الضروري التمييز بين ما هو معتقد وما هو مثبت علميًا.

الذكاء الاصطناعي وانتشار الوهم
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة قوية لنشر المعرفة وتسهيل الوصول إلى المعلومات، لكنه في الوقت نفسه قد يساهم في تضليل المستخدمين إذا تم الاعتماد عليه بشكل غير واعٍ، حيث أن  سهولة الحصول على الإجابات قد تقلل من الرغبة في البحث والتحقق، وبالتالي يمكن أن يتحول إلى وسيلة تدعم التفكير السطحي بدلًا من تعزيزه، كما أنه في ظل هذا الكم الهائل من المعلومات، أصبحت القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم أمرًا ضروريًا، ويتطلب ذلك تطوير مهارات التفكير النقدي، مثل التحقق من المصادر وتحليل المعلومات، كما يجب عدم الانسياق وراء كل ما يبدو شائعًا أو مقنعًا، لأنه ليس كل ما ينتشر صحيحًا، وليس كل ما يبدو علميًا مبنيًا على حقائق.