“التمويل الحزبي” أزمة التطبيق بين القانون والواقع وغياب الرقابة

د عمرو هاشم ربيع: أي تمويل أجنبي يتعارض مع مبدأ وطنية الأحزاب

على الرغم من مرور أكثر من أربعة عقود على صدور قانون الأحزاب السياسية في مصر، ما زال ملف تمويل الأحزاب واحدًا من أكثر الملفات تعقيدًا وغموضًا، فالقانون وضع إطارًا عامًا لمصادر التمويل وطرق الصرف، لكنه في الوقت نفسه ترك مساحة واسعة من “الفراغ الرقابي”، جعلت معظم الأحزاب تعمل في بيئة مالية غير شفافة، سواء بسبب ضعف الموارد أو غياب الالتزام بالإفصاح.

مصادر التمويل
حدد قانون الأحزاب السياسية رقم 40 لسنة 1977 وتعديلاته، وكذلك المواد المنظمة في قوانين الانتخابات ومباشرة الحقوق السياسية، أربعة مصادر أساسية لتمويل الأحزاب.

المصدر الأول يتمثل في اشتراكات الأعضاء، وهو المصدر الأكثر انتظامًا ودورية، إذ يلتزم أعضاء الحزب بدفع اشتراكات سنوية مقابل استمرار عضويتهم، ما يجعل التمويل مرتبطًا بعدد الأعضاء الفعليين ومستقرًا نسبيًا مقارنة بالمصادر الأخرى.

أما المصدر الثاني فيتعلق بالإعلانات المنشورة عبر وسائل الإعلام الخاصة بالحزب، سواء في الصحف أو المواقع الإلكترونية أو القنوات التلفزيونية إن وجدت، ويتميز هذا المصدر بالتغير المستمر، إذ يتأثر بعدة عوامل، منها حجم الإنفاق الإعلاني، وعدد القراء أو المتابعين، وانتشار هذه الوسائط، وهو ما يجعل التمويل من هذا المصدر غير مستقر بالقدر الكافي للاعتماد عليه وحده.

المصدر الثالث هو التبرعات الفردية، التي يشملها القانون المصري بحيث تتلقى الأحزاب منحًا من الأشخاص المصريين الطبيعيين فقط، وليس الاعتباريين أو المؤسسات، ويُوصى الخبراء بتعديل قانون الأحزاب لتقييد هذا المصدر أثناء فترات الانتخابات، وذلك لمنع أي محاولات للفساد أو الرشاوى، وضمان نزاهة العملية السياسية.

أما المصدر الرابع فيتعلق بـ الأنشطة التجارية شبه الربحية التي تنفذها الأحزاب لدعم أهدافها السياسية والاجتماعية، مثل تنظيم معارض للأسر المنتجة، أو إدارة مكتبات الحزب، وأعمال دور النشر، بالإضافة إلى الجولات والأنشطة الرمزية في المحليات المتعلقة بالخدمات الثقافية أو الصحية، هذه الأنشطة تمثل مصدرًا إضافيًا للتمويل، لكنها عادة لا تدر أرباحًا كبيرة، وتظل مرتبطة بطبيعة نشاط الحزب وهدفه المجتمعي.

من حيث الشكل، تبدو هذه المصادر منضبطة وقابلة للرقابة، لكنها عمليًا لا تُطبَّق بشكل فعال، فاشتراكات الأعضاء شبه رمزية، وعدد المنضمين فعليًا محدود، بينما التبرعات لا تُعلَن بشكل واضح.

بدوره أشار النائب تيسير مطر، رئيس حزب إرادة جيل ورئيس تحالف الأحزاب المصرية الذي يضم 42 حزبًا، إلى أن الدولة كانت تدعم الأحزاب قبل ثورة يناير بمبلغ نصف مليون جنيه سنويًا، وأن أي تمويل خارجي يتطلب موافقة لجنة شئون الأحزاب، مؤكدًا أن بعض الأحزاب التي تلجأ إلى جمعيات أهلية للحصول على تمويل من الخارج، وهو ما يسمح به القانون للجمعيات، لكن لا يسمح به للأحزاب، وذلك لخضوع هذه الجمعيات لإشراف وزارة التضامن الاجتماعي.

أسس التمويل الداخلي
وأكد “مطر” أن قانون الأحزاب يمنع التمويل الخارجي بأي شكل من الأشكال، مشيرًا إلى أن أفضل نموذج للتمويل هو ما تتبعه بعض الدول الديمقراطية، حيث تخصص الدولة جزءًا من الميزانية العامة لدعم الأحزاب، وفق معايير محددة.

ولفت، إلى أن هذه المعايير تشمل نجاح أعضاء الحزب في المجالس المحلية والبرلمان، وجود قاعدة جماهيرية قوية، وانتشار الحزب في المجتمع، مضيفًا أن الأحزاب يجب أن تعلن عن مصادر تمويلها بشكل واضح، وأنها خاضعة للمراقبة من قبل الجهاز المركزي للمحاسبات.

أما القيادي بحزب الوفد، محمد المسيري، فقد أشار إلى أن قانون الأحزاب يتيح تمويلها عن طريق اشتراكات الأعضاء وتبرعات المواطنين، بشرط إخطار لجنة شئون الأحزاب بأي مبلغ إضافي، موضحًا أن غياب لجنة شئون الأحزاب بعد إلغاء مجلس الشورى أوقف إصدار تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات حول تمويل الأحزاب، وهو ما أسفر عن نقص الشفافية وزيادة الشكوك حول مصادر التمويل، معلنًا رفضه فكرة تمويل الأحزاب من جمعيات أهلية خارجية، مشددًا على أن القانون يفرق بين العمل السياسي والعمل الاجتماعي.

مصادر التمويل المحلية
وأكد عمرو هاشم ربيع، نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية والسياسية، أن قانون الأحزاب اشترط ألا يكون للحزب فروع خارجية، وأن يكون مصدر تمويله داخليًا مصريًا فقط، معتبرًا أن أي تمويل أجنبي يتعارض مع مبدأ وطنية الأحزاب.

وأضاف “ربيع”، أن قوة الحزب واستقراره المالي تعتمد على وجود قاعدة شعبية متينة، وهو ما تفتقر إليه كثير من الأحزاب الجديدة على الساحة السياسية، مشيرًا إلى أن الأحزاب تواجه في مصر تحديات كبيرة فيما يتعلق بالشفافية والمساءلة، خاصة في ظل عدم إعلان العديد منها عن مصادر تمويلها مما يؤثر على مصداقية الأحزاب أمام الجمهور، وتضعف قدرتها على لعب دور فعال في العملية السياسية.

 وأكد، أن إقرار آليات أكثر وضوحًا لمراقبة التمويل وتحديد مصادره سيعزز ثقة المواطنين في الأحزاب ويشجع على المشاركة السياسية الفعلية.

تعزيز الشفافية
وتابع: “أن معظم الأحزاب على الساحة المصرية غير فاعلة، سواء بسبب نقص الموارد المالية أو عدم القدرة على بناء قاعدة جماهيرية”، مضيفًا أن وجود هذا العدد الكبير من الأحزاب غير الفاعلة قد يضر بالعملية الديمقراطية، لأنه يزيد من التشتت ويقلل من تأثير الأحزاب الفاعلة في البرلمان وفي الحياة السياسية العامة.

وأردف “ربيع”: “أن تعزيز الشفافية والوعي السياسي بين المواطنين والأحزاب على حد سواء يعتبر من الركائز الأساسية لتطوير العملية الحزبية، فالأحزاب التي تتمتع بقاعدة شعبية قوية ومصادر تمويل قانونية وشفافة تكون أكثر قدرة على التأثير في البرلمان وعلى مستوى المجالس المحلية، بينما الأحزاب التي تفتقر لهذه العناصر تبقى حبيسة المقرات ولا تستطيع ممارسة السياسة الفعلية”.

وأكد نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات، على  ضرورة فرض رقابة فعالة على مصادر التمويل الداخلي والخارجي، وتشجيع الأحزاب على الإعلان عن ميزانياتها بشكل دوري للجمهور، تعزيز التعليم السياسي وتثقيف المواطنين حول دور الأحزاب وحقوقهم كمؤيدين وناخبين، وفرض عقوبات على من لا يعلن عن ميزانيته بشكل دوري.

يظل التمويل الحزبي في مصر أحد أبرز التحديات التي تواجه الحياة السياسية، على الرغم من كثرة الأحزاب، إلا أن الشفافية ونقص الموارد جعلت الكثير منها غير قادر على لعب دور فعال في الشارع أو البرلمان، وبينما تحظر القوانين التمويل الأجنبي، فإن الدعم الداخلي والعضوية الفاعلة يشكلان عنصرين حاسمين لاستدامة الأحزاب وتعزيز الديمقراطية الداخلية، وهو ما يدعو جميع الأطراف المعنية إلى العمل على تطوير أطر تمويلية واضحة وآمنة تضمن ممارسة سياسية صحية وفعالة.