أشرف أمين

في زمن تتحول فيه الوظائف من الورق إلى الشاشة ومن المكتب إلى السحابة الإلكترونية، يجد التعليم الجامعي في مصر نفسه أمام اختبار صعب، هل يواكب هذا التحول السريع الذي أحدثته التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في سوق العمل؟ أم أن القاعات الدراسية ما زالت تدرس لعالم لم يعد موجودًا؟.
على مدار السنوات الأخيرة، شهد سوق العمل المصري تغيرًا كبيرًا في طبيعة المهارات المطلوبة، أصبحت وظائف مثل تحليل البيانات، البرمجة، التسويق الإلكتروني، وإدارة المحتوى الرقمي في مقدمة احتياجات الشركات، بينما تراجعت فرص التوظيف في مجالات تقليدية لم تتطور بالسرعة نفسها.
يقول أحمد مجدي، مدير شركة ناشئة متخصصة في التسويق الرقمي، إن أغلب المتقدمين للوظائف التي تعلنها شركته لا يمتلكون الحد الأدنى من المهارات الرقمية، مشيرًا إلى أن بعض خريجي كليات التجارة والإعلام لا يجيدون استخدام أدوات تحليل البيانات أو إدارة الحملات الإلكترونية، رغم أن هذه الأدوات أصبحت أساس العمل في المجال.

في المقابل، تعترف جامعات حكومية بأن عملية إدماج المواد الرقمية في المناهج الدراسية ما زالت تسير ببطء، حيث تقول الدكتورة رشا العربي، أستاذة الاقتصاد، إن إدخال مقررات مثل التحول الرقمي وتحليل البيانات يحتاج إلى تحديث شامل في الخطط الدراسية، وتدريب للأساتذة قبل الطلاب. وتضيف أن بعض الكليات بدأت خطوات محدودة في هذا الاتجاه، لكنها غير كافية لمجاراة سرعة التغير في سوق العمل.
ويشير التقرير الصادر عن وزارة الاتصالات إلى أن سوق العمل المصري سيحتاج خلال السنوات الخمس المقبلة إلى أكثر من نصف مليون موظف يمتلكون مهارات رقمية متقدمة، في مجالات تشمل الذكاء الاصطناعي، البرمجة، تحليل البيانات، والأمن السيبراني. ومع ذلك، ما زالت معظم الجامعات تدرّس المناهج التقليدية نفسها، دون ربط فعلي بالتقنيات الحديثة.
من جانبه، يقول خالد عادل، طالب في كلية الهندسة، إنهم يدرسون مواد البرمجة بلغة قديمة لم تعد مستخدمة في معظم الشركات، يضيف أن التعلم الذاتي عبر الإنترنت أصبح الخيار الوحيد لاكتساب المهارات المطلوبة، أما سارة، طالبة في كلية الإعلام، فتؤكد أن الجامعة لم تقدم أي مادة متخصصة في التسويق الرقمي أو صناعة المحتوى، رغم أن معظم فرص العمل في المجال الإعلامي أصبحت رقمية بالكامل.

ورغم الصورة القاتمة، هناك تجارب إيجابية محدودة تشير إلى بداية التغيير، فقد بدأت بعض الجامعات الخاصة والأهلية في إضافة تخصصات جديدة مثل تحليل البيانات وإدارة المنصات الرقمية، إلى جانب شراكات مع شركات التكنولوجيا الكبرى لتدريب الطلاب عمليًا، كما أطلقت وزارة التعليم العالي مبادرات لدعم التحول الرقمي في الجامعات الحكومية وتزويدها بمعامل حاسوب حديثة ومنصات تعليم إلكتروني.
ويرى الخبراء أن التحدي الأكبر لا يتمثل فقط في تحديث المناهج، بل في تغيير طريقة التفكير في التعليم الجامعي نفسه، فالمعرفة لم تعد تُقاس بعدد المقررات، بل بقدرة الطالب على التعلّم المستمر والتكيف مع أدوات جديدة كل عام، حيث أن التكنولوجيا سبقت القاعات الدراسية، والذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من الحياة المهنية اليومية، وإذا لم تتحرك الجامعات بسرعة لتأهيل طلابها بمهارات العصر الرقمي، فقد يجد الخريجون أنفسهم يحملون شهادات لا تعني شيئًا في عالم تتحكم فيه الخوارزميات لا الأوراق.





