
في قالب كوميدي ساخر تدور أحداث فيلم “برشامة” داخل لجنة امتحان ثانوية عامة للمنازل في يوم مصيري هو امتحان اللغة العربية حيث تتحول اللجنة من مساحة يفترض أن يسودها الانضباط إلى ساحة فوضى مكشوفة بعد غياب المراقب إثر وفاته المفاجئة فينكشف الوجه الحقيقي للبشر حين تغيب الرقابة وتتحول القواعد من التزام مفروض إلى خيار فردي تحكمه المصالح والرغبات داخل هذا المشهد تتفجر كل أشكال التحايل من الغش الجماعي إلى التلاعب بالقواعد واستخدام الدين كغطاء سلوكي واللجوء إلى المخدرات كوسيلة للهروب أو التركيز مرورًا باستغلال النفوذ الذي يجسده عمدة يسعى لتجاوز كل الأعراف من أجل تمكين ابنه من النجاح تمهيدًا لتوريثه العمودية رغم افتقاده للكفاءة.
في قلب هذه الفوضى تتقاطع مصائر شخصيات تنتمي إلى خلفيات اجتماعية متباينة لكنها تلتقي عند هدف واحد هو النجاح بأي ثمن فهناك مسجون يرى في الشهادة طريقًا للحرية وسيدة مسنة تحلم بإضافة بضعة جنيهات إلى معاشها، وراقصة تبحث عن بداية تمنحها فرصة لحياة أكثر استقرارًا، وشاب متدين يعيد المحاولة سعيًا لدخول كليات القمة وفتاة ريفية تتمسك بالتعليم كوسيلة للهروب من زواج مفروض عليها في محاولة لانتزاع حقها في اختيار مصيرها، هكذا تتحول اللجنة إلى نموذج مكثف للمجتمع حيث لا يكشف غياب المراقب فقط خلل النظام بل يفضح هشاشة الضمير الإنساني ويطرح سؤالًا أكثر عمقًا هل يلتزم الإنسان بالقيم لأنه يؤمن بها حقًا أم لأنه يخشى الرقابة وفي لحظة واحدة تتساوى الفرص وتختلف الضمائر ،ليبقى الامتحان الحقيقي ليس في ورقة الإجابة بل في ما يختاره كل فرد حين يصبح فجأة بلا رقيب.
هذا الطرح يتقاطع بشكل مباشر مع أفكار” فريدريك نيتشه” الذي صاغ مقولته الشهيرة في كتاب العلم المرح على لسان شخصية “المجنون” الذي يركض في السوق صارخًا “الإله مات، ونحن من قتلناه” في إشارة رمزية إلى أن الإنسان الحديث، عبر العلم والعقلانية، هو من أسقط المرجعية الدينية التي كانت تضبط منظومة القيم ولم يكن نيتشه يحتفل بهذه اللحظة بقدر ما كان يحذر منها حين تساءل بقلق “كيف سنعزي أنفسنا، نحن قتلة القتلة؟ وأي أعياد كفارية سنضطر لاختراعها؟” في تعبير عن الخوف من الفراغ القيمي الذي قد يدفع الإنسان إلى العدمية أو إلى البحث عن بدائل زائفة للمعنى، و في “برشامة” يتحقق هذا التصور بشكل يومي وبسيط داخل لجنة امتحان فبمجرد غياب المراقب تنهار السلطة المنظمة ويتحول الامتحان من اختبار دراسي إلى اختبار أخلاقي حقيقي يكشف أن كثيرًا من السلوكيات لا تحكمها القناعة بقدر ما يضبطها الخوف من الرقابة وهنا يصبح السؤال الذي طرحه نيتشه حيًا داخل المشهد هل يستطيع الإنسان أن يكون نزيهًا دون رقيب أم أن غياب السلطة يحرر أسوأ ما فيه تناغم هذا الطرح مع نجاح جماهيري لافت، حيث يواصل صناع فيلم “برشامة” تصدر شباك التذاكر للشهر الثاني على التوالي متجاوزًا حاجز 143 مليون جنيه ويعرض الفيلم بتصنيف عمري +12 ،وهو عمل كوميدي بطولة هشام ماجد ومصطفى غريب وريهام عبد الغفور وحاتم صلاح وباسم سمرة وعارفة عبد الرسول وكمال أبو رية وميشيل في تجربة تمزج بين الكوميديا والسؤال الفلسفي في آن واحد.






