نهاد شعبان

عادت قضية النقاب إلى صدارة المشهد العام مرة أخرى، عقب واقعة اختطاف رضيعة من مستشفى الحسين الجامعي، والتي انتهت بعودتها إلى أسرتها خلال أقل من 48 ساعة، في واقعة أثارت القلق وأعادت طرح تساؤلات قديمة حول العلاقة بين الحرية الشخصية ومتطلبات الأمن، وفي هذا السياق، أعلن الدكتور محمود صديق، نائب رئيس جامعة الأزهر والمشرف العام على المستشفيات التابعة للجامعة، عن سعادة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، بعودة الطفلة، مشيدًا بجهود الأجهزة الأمنية.

إجراءات أمنية
وأوضح نائب رئيس جامعة الأزهر، خلال مداخلة هاتفية ببرنامج “كلام الناس” على قناة mbc مصر، أن إدارة المستشفى لم تقصر في أداء واجبها، مؤكدًا أن الواقعة دفعت لاتخاذ إجراءات جديدة لتعزيز الأمن داخل المنشآت الطبية، وشملت هذه الإجراءات إصدار شيخ الأزهر تعليمات صارمة بتخصيص غرفة مستقلة لتفتيش السيدات المنتقبات عند الدخول والخروج من المستشفى، على أن يتم ذلك بواسطة عناصر نسائية من أمن المستشفى، بما يضمن احترام الخصوصية وعدم المساس بالكرامة الشخصية، مشددًا على أن القرار لا يعني منع المنتقبات من دخول المستشفى، بل يهدف فقط إلى تنظيم عملية الدخول والخروج، خاصة في ظل التحديات الأمنية التي قد تفرضها بعض الحالات الاستثنائية، وتأتي هذه الخطوة في إطار محاولة تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على الحريات الشخصية وتعزيز إجراءات السلامة العامة داخل المؤسسات الحيوية، ومن جانبها، وجهت جامعة الأزهر الشكر إلى وزارة الداخلية ورجال الأمن على جهودهم في إعادة الطفلة المختطفة، مؤكدة تقديرها لدور الدولة في حفظ الأمن والاستقرار، وهو ما يعكس حالة من التكاتف بين المؤسسات الرسمية لمواجهة مثل هذه الأزمات.

المؤسسات التعليمية والبنوك
لكن القرار لم يمر دون إثارة جدل واسع، حيث أعاد النقاش حول النقاب إلى الواجهة، خاصة في الأماكن الحساسة مثل المستشفيات، والجامعات، ولجان الامتحانات، ففي هذه البيئات، تبرز إشكالية التحقق من الهوية كواحدة من أبرز التحديات، حيث يصعب في بعض الأحيان التأكد من شخصية المنتقبة دون اتخاذ إجراءات إضافية، ما قد يفتح الباب أمام حالات انتحال أو تجاوزات، وفي السياق التعليمي، تتكرر الأزمة خلال فترات الامتحانات، حيث تشدد بعض الجامعات على ضرورة كشف الوجه للتحقق من شخصية الطالبات، وهو ما يثير اعتراضات من بعض المنتقبات اللاتي يعتبرن ذلك انتهاكًا لخصوصيتهن الدينية، وفي المقابل، ترى إدارات المؤسسات التعليمية أن هذه الإجراءات ضرورية لضمان النزاهة ومنع الغش أو انتحال الشخصية.

انقسام مجتمعي
كما تمتد الإشكالية إلى أماكن أخرى مثل البنوك، والمطارات، وأقسام الشرطة، حيث تتطلب الإجراءات الأمنية التحقق الدقيق من الهوية، وفي هذه الحالات، يصبح النقاب محل نقاش دائم بين من يراه حرية شخصية يجب احترامها باعتبار أنه واجبًا دينيًا لا يجوز التهاون فيه، ومن يراه عائقًا أمام تحقيق الأمن الكامل ويعتبره عادة اجتماعية لا صلة لها بالدين، كما انقسمت الآراء حول الإجراءات التي تم اتخاذها حديثًا بمستشفى الحسين حول النقاب بين مؤيد ومعارض، حيث يرى البعض أن الأصل الشرعي هو الحجاب وليس النقاب، معتبرين أن الأخير قد يُستغل في بعض الجرائم مثل السرقة أو انتحال الشخصية أو غيرها من الوقائع التي يصعب فيها التحقق من الهوية، وهو ما يعزز – من وجهة نظرهم – الحاجة إلى تنظيم ارتدائه داخل الأماكن الحساسة، في المقابل، يتمسك فريق آخر بأن النقاب جزء من الموروث الديني، بل ويراه البعض واجبًا أو رمزًا لهوية المرأة المسلمة، مؤكدين أن إساءة استخدامه من قِبل قلة لا ينبغي أن تكون مبررًا لاتخاذ مواقف عدائية ضده، بل يجب معاقبة المخطئ فقط دون تعميم. وبين هذين الرأيين، يستمر الجدل المجتمعي حول حدود الحرية الشخصية ومتطلبات الأمن.





واقعة “الحسين”
شهد مستشفى الحسين الجامعي واقعة أثارت جدلًا واسعًا، بعدما استغلت سيدة منتقبة لحظة غفلة داخل قسم النساء والتوليد وقامت بخطف رضيعة حديثة الولادة بعد ساعات قليلة من ولادتها، عقب أن طلبت من الأم حمل الطفلة بحجة مساعدتها ثم غادرت المستشفى بسرعة، وتبين من التحقيقات أن الأم كانت في حالة إرهاق شديد بعد الولادة، وأن وجود أكثر من مرافق وغياب المتابعة اللحظية ساعدا في تنفيذ الواقعة، بينما استغلت المتهمة انشغال الأسرة وخرجت من المستشفى قبل أن يتم اكتشاف الحادث، وعلى الفور أبلغت الأسرة الأجهزة الأمنية التي بدأت في تفريغ كاميرات المراقبة وتتبع خط سير المتهمة، والتي تحركت بين عدة شوارع واستقلت سيارات مختلفة لمحاولة إخفاء أثرها.

وتمكنت قوات الأمن خلال وقت قصير من تحديد هويتها وضبطها داخل مسكنها بمدينة بدر وبحوزتها الطفلة، واعترفت المتهمة بأنها كانت تمر بظروف نفسية بعد فقدان حملها، وأنها أقدمت على خطف الرضيعة لإخفاء ذلك. وتمت إعادة الطفلة إلى أسرتها بعد التأكد من هويتها عبر التحاليل والبصمة الوراثية، فيما أثارت الواقعة مطالبات بتشديد الإجراءات الأمنية داخل المستشفيات وإعادة النظر في آليات التحقق من الهوية، خصوصًا في الأقسام الحساسة.

رؤية فقهية
وعلى المستوى الفقهي، أوضحت اللجنة الشرعية التابعة لمرصد الأزهر الشريف من خلال بحث لها احتوى على تأصيل فقهى لمسألة النقاب انتهى فيه إلى أن تغطية الوجه أدب إسلامى لا يفرض على المرأة، ولا تمنع منه، بل تمدح لفعله، ويكون خيرًا إذا ترجحت الفتنة وتعين درء المفسدة، وهو الذي يترجح لدينا من خلال الأدلة ومناقشة أدلة أصحاب الرأي الأول، وذكر التقرير أنه كثر الحديث في الآونة الأخيرة حول قضية نقاب المرأة، واتسعت شقة الخلاف بين الفرقاء حولها، فذهبت طائفة إلى أقصى اليمين قائلةً بالوجوب، وذهبت الأخرى إلى أقصى اليسار قائلة بأنه بدعة وعادة جاهلية، بل جنحت إلى القول بأنه سبب تخلف المرأة المسلمة، فكان لزامًا على المجمع، باعتباره هيئةً من هيئات الأزهر، وهو الهيئة العليا للبحوث الإسلامية والمنوط به ” بيان الرأي فيما يجد من مشكلات مذهبية أو اجتماعية تتعلق بالشريعة والدين الحنيف”، وفقًا للمادة 115 من القانون 103 لسنة 1961 بشأن إعادة تنظيم الأزهر وهيئاته، وقيامًا بواجبه نحو الدين والوطن والأمة، وبيانًا للناس حول ما تقتضيه نصوص الموضوع مجتمعةً دون إفراط أو تفريط، فإنه يضع قبل عرض الرأي الفقهي هذه المبادئ.
واشتملت المبادئ على أن رسالة الأزهر الشريف عالمية من ألف سنة ويزيد، وهي قائمة على نشر الإسلام محليًا وعالميًا بمنهج الوسطية والاعتدال؛ أخذًا من قوله تعالى “ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ” الجاثية 18، مما جعله ينال احترام العالم، وثقة المسلمين، وذكرت أن منهج الفتوى في الأزهر الشريف يكون من خلال مجمع البحوث الإسلامية، ولجنة الفتوى الرئيسية بالجامع الأزهر الشريف، وتقوم على إعمال قاعدة تغير الفتوى بتغير الزمان، والمكان، والحال والأعراف، من خلال الاجتهاد الفقهي المتمثل في تعدد الرؤى، وتباين الأفهام ؛ أخذة في الاعتبار مصالح الناس والمجتمع، وأضافت اللجنة أن الأزهر الشريف في موضوع النقاب لم يصدر عنه أمر به، أو نهى عنه، لأنه من المسائل القابلة للاجتهاد في الأخذ به، أو عدمه، فمن رأت من النساء مصلحة دينيةً لها فيه، فهي وما أرادت بشرط ألا تلزم غيرها به، وأن تكشف الوجه عند اقتضاء المصلحة، وعندئذٍ من حقها ألا تُضطهد أو يُلمز بها بسببه، فالحلال ما أحل الله والحرام ما حرم الله، وأن مصادر التشريع المتفق عليها – القرآن، والسنة، والاجماع، وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، تعكس أزمة النقاب تحديًا أوسع يواجه المجتمعات الحديثة، وهو كيفية التوفيق بين القيم الدينية ومتطلبات الأمن والأمان، وبينما تستمر المناقشات يظل الهدف الأساسي هو الحفاظ على استقرار المجتمع وضمان حقوق جميع أفراده دون استثناء.






