
تنتشر في الساحة الرقمية بمصر جدلاً متزايدًا حول حدود حرية الرأي والتعبير، في ظل تكرار وقائع نشر محتوى يُنظر إليه على أنه مسيء أو مثير للجدل عبر منصات التواصل الاجتماعي، ويطرح هذا الجدل تساؤلات أساسية حول: أين تنتهي حرية التعبير؟ ومتى يتحول الرأي أو السلوك الشخصي إلى تجاوز يمس الذوق العام أو النظام الاجتماعي؟
وفي هذا السياق، برزت نقاشات حادة حول المظهر العام والملابس كجزء من حرية الفرد، وما إذا كان يمكن اعتبارها شكلًا من أشكال “الإساءة للمجتمع” أو خروجًا عن القيم السائدة، حيث يُنظر للراقصة بإعتباره “عادي، حرام، حرية، عمل، خدش حياء ، تأثير في قيم المجتمع، وتأثير في المراهقين والأسرة المصرية وغيرها من التناقضات…، ويُنظر للمرأة التي ترتدي ثياب أشبه بالرجال إلى ” عادي، غريبة، مختلفة، ذكر، حرية، ظروف ، هرمونات…ألخ،. وتزداد حدة النقاش عندما تُربط هذه القضايا بصورة المرأة في المجال العام، بين من يرى أن الحرية الشخصية يجب أن تكون مطلقة في اختيار المظهر واللباس، ومن يرى أن هناك حدودًا يفرضها المجتمع والثقافة العامة، وسط تناقضات ورغبة في تحديد صورة نمطية للمرأة المصرية ومحاسبتها على أفعالها في كل خطوة.
ازدواجية المعايير وحدود الحرية
وتتسع دائرة الجدل لتشمل قضايا مثل “التشبه بالرجال”، حيث يثار التساؤل حول ما إذا كان ذلك يُعد مخالفة اجتماعية أو فعلًا يُعاقب عليه القانون المصري!، إذ لا يوجد نص قانوني مباشر يجرّم مجرد اختيار المرأة لأسلوب ملابس يُنظر إليه اجتماعيًا على أنه “رجالي”، ما لم يرتبط الفعل بسلوك آخر يندرج تحت نصوص قانونية محددة مثل التحريض على الفسق أو خدش الحياء العام وفق تقدير الجهات المختصة.
وبين هذا وذاك، يظل السؤال الأعمق حاضرًا: كيف يمكن تحقيق توازن بين حرية التعبير والالتزام بالمعايير الاجتماعية، دون تحويل الاختلاف في المظهر أو الرأي إلى أداة للإدانة أو الإقصاء؟
وبين هذه التباينات، يظل السؤال مطروحًا: كيف يمكن تحقيق توازن عادل بين حرية التعبير والالتزام بالمعايير المجتمعية، دون الوقوع في تناقضات في الحكم على السلوكيات المختلفة وفق سياقاتها، لا وفق صور نمطية أو أحكام مسبقة؟
وأعادت قضية المعروفة إعلاميًا بـ”بيج ياسمين” تسليط الضوء على الإطار القانوني والمجتمعي.
ووفقاً لمعلومات القضية، فقد رصدت الإدارة العامة لحماية الآداب بقطاع الشرطة المتخصصة قيام صانعة محتوى المعروفة بـ”بيج ياسمين”، نشر مقاطع فيديو على صفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي تتضمن محتوى غير لائق وألفاظ خارجة تتنافى مع القيم المجتمعية جاءت التحركات الأمنية عقب تقدم أحد المحامين ببلاغ إلى النائب العام ضد صانعة المحتوى، اتهمها فيه ببث مقاطع فيديو اعتبرها مخالفة للضوابط الأخلاقية والمعايير الدينية داخل المجتمع.
وأشار البلاغ إلى أن المتهمة اعتادت نشر محتوى يتضمن سلوكيات وأداءات وُصفت بأنها تتعارض مع القيم المجتمعية، والترويج لما اعتبره “ظواهر غير سوية”، من خلال الظهور بأسلوب استعراضي يتضمن تشبهًا بالرجال، بما قد يؤثر على فئات من الشباب والمراهقين.
وأضاف مقدم البلاغ أن تلك التصرفات تمثل مخالفة للأعراف والتقاليد، فضلًا عن كونها انتهاكًا لقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وبعض مواد قانون العقوبات المتعلقة بالتحريض على الفسق والفجور.

الفضاء الإلكتروني
لا ينص القانون المصري بشكل صريح على جريمة تحت مسمى “مخالفة الأعراف والتقاليد”، إلا أن الأفعال التي تنطوي على إساءة أو تشهير تندرج تحت عدد من النصوص القانونية، أبرزها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، إلى جانب مواد السب والقذف في قانون العقوبات.
ويجرّم القانون نشر أو بث أي محتوى عبر الإنترنت من شأنه التشهير بالآخرين أو الإساءة إليهم أو انتهاك القيم الأسرية والمجتمعية، وهو ما يضع مستخدمي المنصات الرقمية تحت طائلة المساءلة القانونية في حال تجاوز هذه الضوابط.
السب والقذف
يفرق القانون بين حرية الرأي والتعبير من جهة، والاعتداء اللفظي أو المعنوي من جهة أخرى، فالسب يتمثل في توجيه ألفاظ تحمل إهانة أو خدشًا للاعتبار، بينما القذف يتضمن إسناد وقائع محددة من شأنها النيل من شرف الشخص أو سمعته، في حال نشر هذه الأفعال عبر وسائل إلكترونية، تُعد الجريمة مشددة، نظرًا لانتشارها وتأثيرها الأوسع، وتكرارها وقد تشجع على استمرار الفعل، ما يبرر توقيع عقوبات قد تصل إلى الحبس والغرامة، أو الجمع بينهما.
الإساءة للفئات المجتمعية
تزداد خطورة المحتوى عندما يتجاوز استهداف الأفراد إلى الإساءة لفئات كاملة داخل المجتمع، مثل النساء. وفي هذه الحالة، يمكن أن يُنظر إلى الفعل باعتباره تحريضًا على التمييز أو نشرًا لخطاب الكراهية، خاصة إذا تضمّن تعميمات مسيئة أو ألفاظًا تحط من الكرامة الإنسانية.

قضية “بيج ياسمين”
في هذا السياق، أثارت قضية “بيج ياسمين” تفاعلًا واسعًا، بعد تداول محتوى اعتبره كثيرون مسيئًا للمرأة المصرية. وبحسب ما تم تداوله، جرى التعامل مع الواقعة من خلال تكييفها قانونيًا ضمن جرائم النشر الإلكتروني، التي تشمل السب والقذف والإساءة لفئة مجتمعية محددة.
وتعكس هذه القضية حالة من التشابك بين حرية التعبير والمسؤولية القانونية، في ظل اتساع تأثير منصات التواصل الاجتماعي وقدرتها على نشر المحتوى بسرعة كبيرة.
التعاطف مع بيج ياسمين
وتعاطف الكثيرين مع قضية “بيج ياسمين” حيث دافع عنها البعض معتبرًا أنها في حالة دفاع عن النفس ورد على من يقوم بالإساءة لها، كما وصف البعض أن طريقتها تنم على حرية الرأي والتعبير وأنها لم تقم بمخالفة شىء وهي حرة في إرتداء ما تريده وأن التشبه بالرجال ليس تهمة في القانون المصري، كما أن مظهرها يعود لطبيعة معيشتها في وسط الرجال ورغبتها في الدفاع عن نفسها وعدم وجود عائل لها.
حرية التعبير والمسؤولية
يبقى التحدي الأبرز في تحقيق التوازن بين ضمان حرية التعبير وحماية الأفراد والفئات من الإساءة والتشهير. فالقانون، وإن كان يضمن الحق في إبداء الرأي، إلا أنه يضع حدودًا واضحة تمنع التعدي على كرامة الآخرين أو الإساءة إليهم.
وفي ظل تزايد الاعتماد على الفضاء الرقمي، تبرز الحاجة إلى وعي أكبر بطبيعة المسؤولية القانونية المرتبطة بالنشر الإلكتروني، لتجنب الوقوع في مخالفات قد تترتب عليها عقوبات صارمة، ولضمان بيئة رقمية أكثر احترامًا وعدالة.






