نهاد شعبان

الكلاب الضالة بالشوارع بين خطط الحسم وجدلية الرحمة والأمان
انتشار واسع وعقر متزايد يضع المواطنين في مواجهة خطر يومي
بين الشيلتر والتعقيم.. هل تنجح الحلول الحالية في الاحتواء؟
شهدت أزمة الكلاب الضالة عودة قوية إلى واجهة النقاش العام من جديد خلال الفترة الأخيرة، بعدما اتخذت محافظة بورسعيد خطوات وإجراءات ميدانية للتعامل مع الظاهرة داخل المدن والمناطق السكنية، وهو ما أعاد تسليط الضوء على واحدة من القضايا المجتمعية المثيرة للجدل بين اعتبارات السلامة العامة وحقوق الحيوان، وجاءت هذه التحركات، خاصة في مدينة بورفؤاد، بعد تنفيذ حملة موسعة استهدفت التعامل مع الظاهرة ونقل أعداد من الكلاب إلى الشيلتر المخصص، تنفيذًا لتوجيهات اللواء إبراهيم أبو ليمون محافظ بورسعيد، في إطار خطة شاملة تهدف إلى الحفاظ على أمن وسلامة المواطنين، مع مراعاة البعد الإنساني في التعامل مع الحيوانات، حيث أعلنت المحافظة أن الحملة تأتي ضمن سلسلة من الإجراءات المنظمة التي تستهدف الحد من انتشار الكلاب الضالة في الشوارع، خاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، والتي تشهد شكاوى متكررة من المواطنين، وقد أسفرت الحملة عن ضبط ونقل عدد كبير من الكلاب إلى أماكن الإيواء المجهزة، المعروفة بـ”الشيلتر”، والتي تم إعدادها لاستقبال الحيوانات وتوفير الرعاية الصحية والغذائية اللازمة لها تحت إشراف بيطري متخصص.

تحركات ميدانية
وأكدت محافظة بورسعيد أن هذه الخطوة ليست إجراءً منفردًا، بل جزء من خطة مستمرة تتضمن تكثيف الحملات في مختلف الأحياء، إلى جانب متابعة دورية لحالة مراكز الإيواء، وتطبيق إجراءات احترازية تضمن سلامة المواطنين والحيوانات في الوقت نفسه، كما شددت المحافظة على أن الهدف الأساسي هو تحقيق التوازن بين الحفاظ على الصحة العامة والالتزام بالمعايير الإنسانية في التعامل مع الكائنات الحية.

وأوضح محافظ بورسعيد أن الشيلتر المخصص لاستقبال الكلاب الضالة مجهز بإمكانيات متكاملة، تشمل أماكن للإيواء، ورعاية بيطرية، وتغذية منتظمة، بما يضمن عدم تعرض الحيوانات لأي أذى غير مبرر، مشيرًا إلى أن الدولة تتحرك وفق رؤية متكاملة تراعي البعد الصحي والبيئي والإنساني في آن واحد، مضيفًا أن المحافظة مستمرة في تنفيذ خطة طويلة المدى للتعامل مع هذه الظاهرة، بما يضمن الحد من المخاطر المحتملة، والحفاظ على المظهر الحضاري للمدن، خاصة في المناطق الحيوية التي تشهد حركة يومية للمواطنين، كما أكد أن التعامل مع ملف الكلاب الضالة يتم وفق آليات مدروسة، وليس بشكل عشوائي، مع الاعتماد على فرق متخصصة في التنفيذ والمتابعة.
جدل مجتمعي
ورغم هذه الإجراءات، أثارت الحملة حالة واسعة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي وبين المواطنين، وانقسمت الآراء بشكل واضح حول كيفية التعامل مع ظاهرة الكلاب الضالة، حيث يرى فريق أن انتشار الكلاب في الشوارع أصبح يمثل خطرًا مباشرًا على الأمن العام، خصوصًا مع تزايد حالات العقر، ويطالب هذا الفريق بتدخل حاسم وسريع للحد من انتشارها، معتبرين أن تركها في الشوارع يشكل تهديدًا للأطفال والمارة وكبار السن.






ويستند أصحاب هذا الرأي إلى تصاعد الشكاوى من الحوادث المرتبطة بالكلاب الضالة، مشيرين إلى أن بعض المناطق أصبحت تعاني من انتشار كثيف لها، ما يثير حالة من القلق والخوف لدى السكان، كما يؤكدون أن وجود هذه الحيوانات دون رقابة أو تنظيم قد يؤدي إلى مخاطر صحية وبيئية، ويستدعي تحركًا أكثر صرامة من الجهات التنفيذية، مع ضرورة نقلها إلى مراكز إيواء منظمة أو اتخاذ إجراءات تحد من تكاثرها في الشوارع.
رؤى إنسانية
في المقابل، يرى فريق آخر أن التعامل مع الكلاب الضالة يجب أن يتم في إطار إنساني يراعي كونها كائنات حية، ويحذر من أي إجراءات عنيفة أو غير مدروسة قد تؤدي إلى الإضرار بها أو الإخلال بالتوازن البيئي، ويؤكد أصحاب هذا الاتجاه أن الحل لا يكمن في التخلص منهم أو الحبس، بل في وضع خطة علمية شاملة تعتمد على التعقيم والحصر الدقيق للأعداد، إلى جانب توفير بيانات رسمية دقيقة حول حجم الظاهرة وأماكن انتشارها، كما يشدد هؤلاء على ضرورة وجود جهة حكومية موثوقة تتولى عملية الحصر والإحصاء بشكل دوري، مع نشر بيانات دقيقة حول أعداد الكلاب وحالات العقر، لتجنب الاعتماد على أرقام غير رسمية أو تقديرات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي قد تزيد من حالة الجدل دون تقديم حلول حقيقية، وتتزامن هذه المناقشات مع مطالب متزايدة بضرورة تبني سياسة متوازنة تجمع بين حماية المواطنين من المخاطر المحتملة، وضمان حقوق الحيوان، في إطار قانوني واضح يحدد مسؤوليات الجهات التنفيذية، ويضع آليات علمية للتعامل مع الظاهرة بشكل مستدام.





سبوبة التبرعات
خلال الفترة الأخيرة، لوحظ انتشار مبادرات التبرع للكلاب بشكل واسع، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تحت شعارات إنسانية مثل حماية الحيوانات وتوفير الغذاء لها، ورغم أن هذه المبادرات قد تنطلق في بعض الأحيان من نوايا طيبة، إلا أن غياب الرقابة والشفافية في كثير من الحالات أدى إلى تحول بعضها إلى وسيلة لجمع الأموال دون وجود دلائل واضحة على توجيه هذه التبرعات بالشكل الصحيح، هذا الوضع يثير تساؤلات حول مصداقية بعض القائمين على تلك الحملات، ويؤكد على ضرورة وجود آليات تنظيمية ورقابية تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين، وتحد من استغلال مشاعر المتبرعين لأغراض غير واضحة.



أرقام صادمة
من جانبه، أوضح المتحدث باسم وزراة الصحة والسكان، الدكتور حسام عبد الغفار، في تصريحات له، إن تكلفة توفير اللقاحات والأمصال لعلاج حالات العقر بلغت نحو 1.7 مليار جنيه خلال عام 2025، في ظل تزايد أعداد المصابين، وأوضح أن مصر سجلت قرابة مليون و400 ألف حالة عقر خلال العام نفسه، مقارنة بما لا يقل عن مليون و200 ألف حالة في الأعوام السابقة، ما يعكس تصاعدًا ملحوظًا في معدلات الإصابة، لافتًا إلى أن الكلاب تتسبب في نحو 90% من حالات الإصابة بمرض السعار.

وأشار إلى أن تقديرات غير رسمية صادرة عن جهات بيطرية ترجح وجود ما بين 15 إلى 40 مليون كلب ضال في الشوارع المصرية مع بداية عام 2026، وفي هذا السياق، أكد أن الدولة تخصص نحو 1.2 مليار جنيه سنويًا لتوفير اللقاحات مجانًا من خلال مراكز علاج عقر الحيوان التابعة لوزارة الصحة، مشددًا على أهمية التوجه الفوري لأقرب مستشفى عند التعرض للعقر أو الخدش، محذرًا من أن التأخر في تلقي العلاج قد يؤدي إلى الوفاة نتيجة الإصابة بالسعار، وأوضح أن العلاج يُقدم مجانًا بالمستشفيات الحكومية، ويتضمن 4 جرعات من اللقاح بالإضافة إلى جرعة من المصل وفقًا للحالة، بتكلفة تقديرية تصل إلى 1250 جنيهًا للفرد.

وبحسب تقرير صادر عن المجلس الصحي المصري، فإن مصل عضة الكلب هو لقاح يحتوي على فيروس السعار في صورة مقتولة، ما يساعد الجهاز المناعي على التعرف عليه والتصدي له سريعًا قبل تطور المرض، وتشمل الأعراض الأولية لداء الكلب الحمى والشعور بالألم أو الوخز في موضع الإصابة، ومع تطور الحالة قد تظهر أعراض عصبية مثل الهلوسة والأرق واضطرابات الإدراك، وينقسم المرض إلى نوعين رئيسيين السعار الهياجي، الذي يتميز بفرط النشاط ورهاب الماء والهواء وينتهي غالبًا بتوقف عضلات التنفس خلال أيام، والسعار الشللي، وهو أقل شيوعًا ويؤدي إلى شلل تدريجي يبدأ من موضع الإصابة وصولًا إلى الغيبوبة والوفاة، ووفقًا لتعريف منظمة الصحة العالمية، يعتمد التشخيص الإكلينيكي لحالات السعار البشري على ظهور أعراض التهاب الدماغ المصحوبة بتاريخ تعرض لعقر أو خدش من حيوان يُشتبه في إصابته بالمرض، ما يستدعي التدخل الطبي الفوري.

حوادث متكررة
شهدت عدة مناطق في القاهرة سلسلة من الحوادث المؤسفة بسبب هجمات الكلاب الضالة، كان أبرزها بمنطقة دار السلام بمحافظة القاهرة من خلال واقعة مؤسفة تعرض خلالها 3 أشخاص، من بينهم طفلة، لهجوم من كلب ضال أثناء تواجدهم في الشارع، ما أسفر عن إصابتهم بجروح متفرقة، وجرى نقلهم إلى المستشفى لتلقي الإسعافات اللازمة. وتبين من التحريات أن الكلب هاجمهم بشكل مفاجئ قبل أن يفر هاربًا، ما أثار حالة من الخوف بين الأهالي.
وفي واقعة أخرى، لقيت طفلة مصرعها متأثرة بإصابتها عقب تعرضها لعقر كلب داخل أحد الكمبوندات بمدينة 6 أكتوبر، حيث تم نقلها إلى المستشفى في حالة حرجة قبل أن تفارق الحياة، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية والتحفظ على الكلب والقبض على مالكه.
كما شهدت منطقتا الزاوية الحمراء والسيدة زينب بالقاهرة حوادث مأساوية، حيث توفي طفل صغير بعد إصابته بأزمة قلبية نتيجة الهلع أثناء هروبه من كلب ضال، بينما لقي طفل آخر يبلغ 9 سنوات مصرعه إثر عقر كلب مسعور له، ما تسبب في إصابات خطيرة ونزيف حاد أودى بحياته.
وفي حادث آخر، توفي طالب بالثانوية العامة بعد صراع استمر عدة أشهر مع مضاعفات عضة كلب، حيث دخل في غيبوبة طويلة قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، رغم تلقيه العلاج، كما أثارت واقعة هجوم كلبين على طفل في منطقة “مدينتي” بالقاهرة، وإصابته بجروح بالغة، حالة من الغضب على مواقع التواصل، ما دفع الجهات المختصة لاتخاذ إجراءات قانونية بحق مالك الكلبين.

كما تعرض طفل لهجوم من كلب ضال بمنطقة الخلفاوي، ما تسبب في إصابته بجروح خطيرة كادت تؤدي إلى بتر قدمه، بعد خضوعه لعدة عمليات جراحية، وامتدت هذه الوقائع إلى محافظات أخرى، حيث شهدت دمياط إصابة 3 أطفال بعقر كلب ضال، بينما أصيب 5 أشخاص في المنيا إثر هجوم مماثل، كما أُصيب 4 أشخاص بينهم 3 أطفال في البحيرة، إضافة إلى واقعة أخرى بالقرية نفسها أسفرت عن إصابة 10 أشخاص بعقر كلب مسعور.
وفي البحر الأحمر، تعرض طفل لهجوم كلب ضال بمدينة سفاجا، ما أدى إلى إصابته بجروح خطيرة استدعت تدخلاً جراحيًا، بينما شهدت الإسكندرية واقعة مثيرة للذعر بعد إصابة 26 شخصًا بعقر كلب مسعور في أحد الشوارع، كما أصيب طفل صغير في القليوبية بتشوهات خطيرة في الوجه بعد تعرضه لعقر كلب، فيما هاجم كلب ضال أهالي قرية في الأقصر متسببًا في إصابة شخصين ونفوق عدد من الماشية قبل السيطرة عليه.
وفي أسوان، أصيب 4 أشخاص بينهم أطفال بجروح بالغة نتيجة هجوم كلب مسعور، قبل أن يتمكن الأهالي من القضاء عليه، وسط حالة من الذعر بين المواطنين، وهو ما يعكس تكرار الظاهرة واتساع نطاقها في عدد من المحافظات، كما لقي مُسن يبلغ من العمر 75 عامًا، مصرعه متأثرًا بإصاباته الخطيرة عقب تعرضه لهجوم من مجموعة كلاب ضالة أثناء سيره بأحد شوارع حي المناخ، ووفقًا لرواية أسرته، كان الضحية في طريق عودته إلى منزله حاملًا كيسًا من اللحم، قبل أن تفاجئه الكلاب بالهجوم، خاصة بالقرب من كلبة كانت في حالة حراسة لصغارها، ما أدى إلى سقوطه أرضًا نظرًا لتقدمه في العمر وضعف بنيته، وتعرض المُسن لإصابات بالغة، شملت عقرات متعددة وتهتكًا شديدًا في اليد من الكف حتى الكوع، إلى جانب جروح عميقة في الساقين والفخذ، مع آثار واضحة لأسنان الكلاب حتى منطقة كعب القدم، وتمكن من الوقوف بمساعدة أحد المارة، قبل أن يتم نقله بسيارة إلى مستشفى السلام ببورسعيد لتلقي الإسعافات الأولية، قبل أن يتعرض لتوقف مفاجئ في عضلة القلب، ويفارق الحياة رغم محاولات إنعاشه.

وفي الدقهلية توفي شاب بمركز بلقاس، بعد إصابته بمضاعفات عقر كلب ضال، نتيجة تأخره في تلقي المصل لأكثر من 15 يومًا، واعتقاد أسرته أن حالته ناتجة عن “مس شيطاني” وليس سببًا طبيًا، وتم نقل الشاب، إلى مستشفى حميات المنصورة في حالة حرجة بعد تدهور حالته، وأوضحت الطبيبة المعالجة أن المريض كان يعاني من هذيان وصعوبة في الإدراك، وبالفحص تبين إصابته بالسعار نتيجة عقر كلب وإهمال العلاج، وأشارت إلى أن إنكار الأسرة وتأخر التدخل الطبي ساهما في تفاقم حالته حتى وفاته، وفي أعقاب الحادث، وجهت الأسرة نداءً إلى الجهات المعنية بضرورة تكثيف الجهود للسيطرة على ظاهرة الكلاب الضالة، من خلال نقلها إلى أماكن مخصصة بعيدًا عن المناطق السكنية، مؤكدين أنهم لا يسعون لإيذاء الحيوانات، بل يطالبون بإجراءات تضمن سلامة المواطنين وتمنع تكرار مثل هذه الحوادث.

حلول متكاملة
مواجهة ظاهرة الكلاب الضالة تتطلب تدخلًا حكوميًا يعتمد على رؤية شاملة لا تقتصر على الحلول السريعة، بل تمتد إلى معالجة جذور المشكلة، ويأتي في مقدمة هذه الحلول تطبيق برامج التعقيم والتطعيم، باعتبارها الوسيلة الأكثر فاعلية علميًا للحد من تكاثر الكلاب ومنع انتشار الأمراض، وعلى رأسها السعار، وهو ما يساهم تدريجيًا في تقليل أعدادها دون اللجوء إلى أساليب قاسية أو غير إنسانية، وفي الوقت نفسه، تبرز أهمية إنشاء وتطوير مراكز إيواء مجهزة، يتم نقل الكلاب إليها بدلًا من تركها في الشوارع، على أن توفر هذه المراكز رعاية بيطرية وغذائية مناسبة، بما يضمن التعامل مع الحيوانات بشكل آمن ومنظم، كما يتطلب الأمر تنفيذ حملات ميدانية مدروسة تستهدف المناطق الأكثر كثافة وخطورة، خاصة بالقرب من المدارس والمستشفيات، على أن تتم هذه الحملات من خلال فرق مدربة لتفادي أي مخاطر محتملة.

ولا يقل أهمية عن ذلك ضبط المنظومة من خلال تسجيل الكلاب المملوكة وترقيمها، وفرض رقابة صارمة على أصحابها، مع توقيع عقوبات على من يتسبب في ترك الحيوانات بالشارع أو الإهمال في رعايتها، كما تلعب منظومة النظافة دورًا محوريًا، حيث أن تراكم القمامة يعد أحد أهم أسباب جذب الكلاب وتكاثرها، ما يستدعي تحسين إدارة المخلفات بشكل مستمر، وعلى جانب آخر، تبقى التوعية المجتمعية عنصرًا أساسيًا في الحد من الظاهرة، سواء من خلال توجيه المواطنين لكيفية التعامل مع الكلاب أو ضرورة التوجه الفوري لتلقي العلاج عند التعرض للعقر. كذلك، فإن توفير الأمصال واللقاحات بشكل كافٍ وسريع داخل المستشفيات يمثل خط دفاع مهمًا لتقليل المخاطر الصحية.






