ADVERTISEMENT (TEST2)

728 x 90 Leaderboard Area

صلاح السعدني.. “أرابيسك” الفن المصري الذي لم تنطفئ ألوانه

مصطفى علوان

عامان مرا على رحيل الجسد وبقاء الأثر، حيث تحل اليوم الذكرى الثانية لوفاة الفنان المبدع صلاح السعدني، والذي لم يكن مجرد ممثل، بل كان نبضاً للشارع المصري وتجسيداً حياً لشخصياته، فمنذ عام 1943 وحتى رحيله في 2024، قدم “السعدني” رحلة إبداعية تجاوزت الخمسين عامًا، تنقل فيها بعبقرية بين شاشات السينما ودراما التلفزيون، ليظل دائمًا هو “العمدة” الذي لا يغيب عن بال محبيه.

الدراما التليفزيونية: العرش الذهبي
إذا كان هناك “دستور” للدراما العربية، فالسعدني هو أحد أهم كتابه بأدائه، فلم يكن مجرد مؤدٍ، بل كان يبني الشخصية كما يبني المهندس قصرًا،ومن خلال ملحمة “ليالي الحلمية” عبر شخصية “سليمان غانم”، قدم “السعدني” دراسة حالة للشخصية الريفية التي انتقلت للمدينة لكنها لم تتخل عن فطرتها وجبروتها، صراعه مع “سليم البدري” الذي يقوم بدوره الفنان يحيى الفخراني، لم يكن مجرد صراع درامي، بل كان تجسيدًا للصراع بين الإقطاع القديم والرأسمالية الصاعدة، وقد صاغه “السعدني” بخفة ظل جعلت الشخصية محبوبة رغم عيوبها.

فلسفة “أرابيسك”
أما شخصية “حسن أرابيسك” فكانت ذروة النضج الفني للسعدني، ففي هذا المسلسل، كان “السعدني” يمثل مصر نفسها، ضائعة بين مجد قديم وواقع مشتت، فكان يبحث عن “النمط” الصحيح لتجميع قطع حياته، ومن خلال العمق الإنساني في “حلم الجنوبي”  جسد دور “نصر وهدان القط”، ذلك المدرس البسيط المهووس بتاريخ بلده، والذي يقف في وجه تجار الآثار، ليرسخ فكرة أن الانتماء أهم من كنوز الدنيا.

السينما الواقعية والوعي السياسي
رغم أن التليفزيون هو من منحه لقب “العمدة”، إلا أن السينما كانت ساحته للتعبير عن أفكاره الجريئة والملتزمة، فالبدايات مع الكبار، حيث انطلق مع يوسف شاهين في فيلم “الأرض”، وهو فيلم لا يزال يُصنف ضمن أفضل أفلام السينما المصرية، وجسد خلاله روح الشباب المقاوم والمتمسك بجذوره، وفي فيلم “الغول”، قدم دور الصحفي الذي يحاول كشف الحقائق في مواجهة سطوة المال، وفي فيلم “ملف في الآداب” قدم دور الضابط الذي يقع ضحية للنظام البيروقراطي والظلم، وفي أفلام مثل “زمن حاتم زهران” و “فوزية البرجوازية” أظهرت قدرة “السعدني” على السخرية من التحولات الأيديولوجية والاجتماعية ببراعة منقطعة النظير.

“المثقف المشخصاتي”
ما جعل صلاح السعدني مختلفاً هو أنه كان “فنان موقف”، لم يسعَ يومًا وراء الشهرة الزائفة أو الأجر الأعلى بقدر ما كان يبحث عن “القيمة”، تأثر كثيرًا بصداقته مع عادل إمام وسعيد صالح في البدايات، لكنه اختار طريقاً خاصاً به، طريقًا يمزج بين الفن وبين كونه “مثقفًا عضويًا” يهتم بقضايا وطنه.

المحطة الأخيرة والإرث الفني
في سنواته الأخيرة، ورغم ابتعاده عن الأضواء لأسباب صحية، ظل “السعدني” الحاضر الغائب، ترك خلفه مدرسة في الأداء تعتمد على “السهل الممتنع”، فلا تكلف في تعبيرات الوجه، ولا مبالغة في الصوت، بل صدق يخرج من القلب ليصل إلى القلب.

كما أن صلاح السعدني هو الممثل الذي تستطيع أن تشم في أدائه رائحة بخور الحسين، وضجيج المقاهي الشعبية، وهيبة دواوين العمد في الأرياف.. إنه باختصار قطعة من روح مصر، وستظل أعماله مرجعًا لكل موهبة شابة تريد أن تتعلم كيف يكون التمثيل رسالة، وكيف يكون الفنان “عمدة” في مجاله باحترامه لجمهوره وتاريخه.

ADVERTISEMENT (TEST1)

728 x 90 Leaderboard Area