نهاد شعبان

أثار قيام الدولة السورية بتغيير اسم شارع البطل عبد المنعم رياض إلى “18 نيسان” حالة من الجدل في الأوساط الإعلامية والسياسية، نظرًا لما يحمله الاسم من رمزية تاريخية كبيرة في الوجدان العربي، ويأتي هذا القرار في سياق تحولات أوسع تشهدها المنطقة، انعكست على طريقة التعامل مع الرموز الوطنية والعسكرية، كما فتح الباب أمام تساؤلات حول حدود التغيير بين الاعتبارات السياسية والحفاظ على الذاكرة المشتركة.

دلالات القرار
وأوضح محافظ حمص، عبد الرحمن الأعمى، في منشور له عبر منصة “إكس”، أن إطلاق اسم “18 نيسان” على الشارع يأتي في إطار إحياء ذكرى أول اعتصام شهدته ساحة الساعة بمدينة حمص عام 2011، والذي يُنظر إليه كأحد أبرز اللحظات المفصلية في بدايات الحراك السوري، وأشار إلى أن هذا التاريخ يحمل رمزية خاصة، باعتباره اليوم الذي اختارت فيه الثورة ما وصفه بـ”عاصمتها”، في إشارة إلى مكانة حمص في تلك المرحلة.

وأكد المحافظ أن القرار لا يأتي بشكل منفصل، بل يندرج ضمن توجه أوسع لإعادة تسمية عدد من الشوارع، بما يعكس الرموز المحلية المرتبطة بالهوية الثورية للمدينة، ويعزز حضورها في الذاكرة العامة للسكان.

ردود الفعل الإعلامية
وفي هذا الإطار، علق الإعلامي نشأت الديهي على القرار، مؤكدًا أن إزالة اسم عبد المنعم رياض لا تقلل من مكانته أو تاريخه، مضيفًا خلال تقديم برنامجه “بالورقة والقلم” المذاع على قناة “ten” أن القيمة الحقيقية تظل مرتبطة بالشخصية نفسها، لا بالمكان الذي يحمل اسمها، موضحًا أن اسم عبد المنعم رياض يمثل مصدر فخر لأي موقع يُنسب إليه، لما يحمله من دلالات البطولة والتضحية.
وأشار “الديهي” إلى أن ما حدث في سوريا لم يقتصر على تغيير أسماء الشوارع، بل امتد ليشمل إلغاء بعض المظاهر المرتبطة بذكرى السادس من أكتوبر، معتبرًا أن ذلك أمر لم يكن متوقعًا، خاصة أن هذه المناسبة تمثل إحدى أبرز لحظات العمل العربي المشترك، مشددًا على أن عبد المنعم رياض سيظل رمزًا خالدًا للشرف العسكري والتضحية، موضحًا أن “رياض” لم يكن مجرد قائد عسكري تقليدي، بل كان نموذجًا فريدًا يجمع بين التخطيط الاستراتيجي والشجاعة الميدانية، حيث لعب دورًا بارزًا في مواجهة القوات الإسرائيلية، وكان حاضرًا في الصفوف الأمامية حتى لحظة استشهاده، وهو ما جعله رمزًا عربيًا يتجاوز حدود الدولة الواحدة إلى ما هو أوسع من العمل المشترك.

جذور البطل
وُلد عبد المنعم رياض في 22 أكتوبر عام 1919 بمحافظة الغربية، داخل أسرة عسكرية كان لها دور كبير في تشكيل وعيه المبكر، ورغم بدايته في دراسة الطب، فإنه سرعان ما اتجه إلى الكلية الحربية، حيث تخرج منها عام 1938 ليبدأ مسيرته العسكرية، وتميز منذ سنواته الأولى بالتفوق والانضباط، ما جعله مؤهلاً لمسار استثنائي داخل المؤسسة العسكرية.
مسيرة عسكرية
شارك عبد المنعم رياض في عدد من الحروب الكبرى التي شهدتها المنطقة، بداية من الحرب العالمية الثانية، مرورًا بحرب فلسطين 1948، ثم العدوان الثلاثي، وبعد نكسة 1967، تولى مسئوليات كبيرة في إعادة بناء الجيش المصري، حيث عُيّن رئيسًا لأركان حرب القوات المسلحة، وأسهم بشكل فعال في وضع استراتيجيات أعادت للجيش توازنه وثقته.

حرب الاستنزاف
كان لعبد المنعم رياض دور محوري في إدارة حرب الاستنزاف، التي شكلت مرحلة مهمة في استعادة الروح القتالية للقوات المسلحة، حيث تميز بقيادته الميدانية، وكان حريصًا على التواجد بين الجنود في الخطوط الأمامية، وأسهمت هذه الحرب في تمهيد الطريق لانتصارات لاحقة، وأعادت صياغة المعادلة العسكرية في المنطقة.

لحظة الاستشهاد
في 9 مارس 1969، استشهد عبد المنعم رياض أثناء تفقده المواقع الأمامية على جبهة القتال، بعد إصابته بشظايا قذائف خلال اشتباكات عنيفة، وقد تحولت هذه اللحظة إلى رمز خالد في التاريخ المصري، حيث تم اعتماد هذا اليوم لاحقًا كيوم للشهيد، وأصبح اسمه مرتبطًا بقيم التضحية والفداء في الوعي الوطني.

ذاكرة عربية
يبقى عبد المنعم رياض واحدًا من أبرز الرموز العسكرية في التاريخ العربي الحديث، حيث تجاوز تأثيره حدود مصر إلى العالم العربي بأسره، ورغم التغيرات التي قد تطرأ على الأسماء واللافتات، فإن حضوره يظل راسخًا في الوجدان الجمعي، فالتاريخ الحقيقي لا يُكتب فقط على الجدران، بل يُحفظ في ذاكرة الشعوب.





