ADVERTISEMENT (TEST2)

728 x 90 Leaderboard Area

لماذا ينتحر الناس؟.. ما لا تقوله الأرقام عن الوجع الخفي

قراءة بين العلم والإحصاءات والسرد الإنساني
لم يعد الانتحار مجرد واقعة فردية يمكن تفسيرها في إطار لحظة ضعف عابرة بقدر ما أصبح مرآة واسعة تعكس خللًا أعمق في بنية الإنسان والمجتمع معًا حيث تتداخل الضغوط النفسية مع الأزمات الاقتصادية وتتشابك التحولات الاجتماعية مع هشاشة الداخل الإنساني في مشهد معقد لا يمكن اختزاله بسهولة وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن الانتحار بات أحد الأسباب الرئيسية للوفاة بين الشباب مع تسجيل حالة كل أربعين ثانية تقريبًا وهو ما يعادل نحو 700 ألف حالة سنويًا عالميًا بمعدل يقارب 9 حالات لكل 100 ألف نسمة وهو رقم لا يعكس فقط حجم الظاهرة بل يكشف عن عالم يتآكل من الداخل بصمت

 ما وراء الأرقام
حين نقترب من الحالة المصرية تبدو الصورة أقل وضوحًا فالأرقام الرسمية تشير إلى معدل يتراوح بين 3 إلى 4 حالات لكل 100 ألف نسمة أي أقل من المتوسط العالمي الذي يقترب من 9 حالات لكل 100 ألف نسمة بما يُعني أن المعدل في مصر يقل بنحو 55 إلى 65 في المائة عن المتوسط العالمي، لكن هذا الانخفاض الظاهري يفتح بابًا واسعًا للتساؤل أكثر مما يمنح طمأنينة حقيقية لأن المجتمع الذي تحكمه اعتبارات دينية واجتماعية صارمة لا يتعامل مع الانتحار باعتباره مجرد واقعة بل كوصمة ثقيلة تدفع كثيرًا من الأسر إلى الصمت أو إعادة تفسير ما حدث بصورة أقل صدامًا مع المجتمع وهنا لا تعكس الأرقام بالضرورة الحقيقة بقدر ما تعكس ما يمكن قوله عنها

الرجل الذي لا ينهار
في قلب هذه الصورة يظهر الرجل المصري بوصفه نموذجًا مركبًا يحمل فوق كتفيه أدوارًا أكبر من احتماله فهو مطالب دائمًا بأن يكون القادر الذي لا يضعف والمعيل الذي لا يتراجع والصامد الذي لا يشكو وفي ظل هذه الصورة تصبح مشاعر العجز أو الانكسار عبئًا إضافيًا لا يُسمح له بالاعتراف به وهنا تتشكل مفارقة قاسية فكلما زادت الضغوط ضاقت مساحة البوح وكلما تراكم الألم أصبح أكثر خفاء حتى يصل إلى لحظة لا يمكن احتواؤها.

مسارات الألم غير المرئي
لا يأتي الانتحار من فراغ بل يتشكل عبر مسار طويل من التآكل الداخلي يبدأ أحيانًا بتنمر عابر أو كلمة جارحة ويتسع مع عنف أسري أو تفكك عائلي ثم يتضاعف تحت وطأة الضغوط الاقتصادية ومع كل مرحلة يفقد الإنسان جزءًا من قدرته على الاحتمال دون أن يلحظ من حوله هذا التآكل البطيء لأن ما يحدث في الداخل لا يُرى بسهولة وما لا يُرى غالبًا لا يُنقذ.

من العلم إلى الإنسان
هنا تكتسب قراءة كتاب لماذا ينتحر الناس؟ للدكتور محمد حسن غانم أهمية خاصة لأنه لا يتوقف عند حدود التحليل النظري بل ينفذ إلى التجربة الإنسانية ذاتها حيث تتحول الأرقام إلى وجوه والحالات إلى حكايات تكشف تلك اللحظة الدقيقة التي يقف فيها الإنسان على الحافة لا لأنه يريد الموت بقدر ما لم يعد قادرًا على احتمال الحياة ويعيد الكتاب طرح فكرة أن الانتحار ليس ظاهرة طارئة بل امتداد إنساني قديم تتغير أشكاله بتغير السياقات لكنه يحتفظ بجوهره كصرخة أخيرة.

هل ينتحر المتدينون؟
يطرح الكتاب سؤالًا يبدو صادمًا في ظاهره لكنه بالغ الأهمية في جوهره هل يمكن أن يصل المتدين إلى هذه اللحظة القاسية والحقيقة التي يكشفها التحليل النفسي أكثر تعقيدًا من الإجابة السريعة فالمجتمع كثيرًا ما يضع المتدين داخل قالب مثالي يتوقع منه صلابة نفسية مطلقة وقدرة دائمة على التماسك وهو ما يخلق ضغطًا خفيًا لكنه شديد القسوة لأن هذا الشخص لا يُسمح له بالانهيار أو حتى التعبير عن ضعفه دون أن يُحاكم أخلاقيًا

ومع تصاعد الأزمة قد يجد المتدين نفسه محاصرًا بشعور مضاعف لا يقتصر على الألم النفسي بل يمتد إلى الإحساس بالذنب وكأنه فشل في اختبار الإيمان ذاته وكأن معاناته دليل نقص لا أزمة إنسانية تحتاج إلى فهم وعلاج وهنا تتشكل دائرة مغلقة من العزلة حيث يمتنع عن طلب المساعدة خوفًا من الوصم أو من الاعتراف بما يشعر به.

وفي هذا السياق يؤكد طرح محمد حسن غانم أن الانتحار لا يمكن رده إلى عامل واحد بل هو نتيجة تداخل معقد بين ضغوط اجتماعية واقتصادية ونفسية قد تتراكم تدريجيًا حتى تكسر صلابة أي إنسان مهما بدا متماسكًا من الخارج فالإيمان في صورته المجتمعية لا يلغي الألم بل قد يخفيه أحيانًا حتى يصل إلى نقطة الانفجار

خصوصية الصمت المصري
في المجتمع المصري لا يمكن فصل الانتحار عن طبيعة البنية الاجتماعية حيث تلعب الأسرة والدين والعادات دورًا مزدوجًا فهي قد تكون مصدر حماية لكنها في الوقت نفسه قد تفرض صمتًا قاسيًا يجعل التعبير عن الألم نوعًا من الضعف غير المقبول وهنا تتشكل خصوصية حقيقية فالمصري قد يتحمل طويلًا ويتكيف مع الضغوط إلى حد بعيد لكنه حين يصل إلى حافة الانهيار يكون قد استنفد كل محاولات النجاة في صمت كامل.

حين يصطدم الحلم بالواقع
في السنوات الأخيرة تبدو الضغوط أكثر كثافة خاصة لدى الشباب حيث لم تعد الأزمة مجرد شعور داخلي عابر بل واقعًا يوميًا ملموسًا يتشكل في تفاصيل الحياة نفسها فمع التراجع الحاد في قيمة العملة المحلية خلال الأعوام الأخيرة وما صاحبه من ارتفاعات قياسية في معدلات التضخم التي تجاوزت في بعض الفترات حاجز الثلاثين في المئة وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لم تعد القدرة الشرائية كما كانت وتآكلت الطبقة الوسطى تدريجيًا لتفقد كثيرًا من أدوات الأمان التي كانت تضمن حدًا معقولًا من الاستقرار

وفي موازاة ذلك يتراجع الإحساس العام بالرضا عن الحياة حيث أظهر تقرير World Happiness Report تراجع ترتيب مصر إلى حدود المركز 127 عالميًا في أحدث التقارير مع استمرار التذبذب بين مراكز متأخرة تتجاوز أحيانًا 130 عالميًا ، وهو ما يعكس حالة أوسع من الضغوط النفسية المرتبطة بالواقع المعيشي لا يمكن فصلها عن المؤشرات الاقتصادية

ومع هذا التراجع تتأجل قرارات كبرى في حياة الشباب وعلى رأسها الزواج حيث ارتفع متوسط سن الزواج ليقترب من أو يتجاوز الثلاثين عامًا لدى الرجال ويقترب من أواخر العشرينات لدى النساء بعد أن كان أقل من ذلك بكثير في عقود سابقة وهو ما يعكس اختلالاً في مسار الانتقال الطبيعي إلى الاستقرار الأسري.

وفي ظل هذه الصورة المركبة تتراكم صعوبات العمل وتتراجع جودة التعليم وتتسع الفجوة بين ما يراه الفرد ممكنًا وما يعيشه فعليًا ومع هذا التناقض المستمر يتسلل الإحباط تدريجيًا ويجد طريقه إلى الداخل دون ضجيج وتزيد بعض الظواهر مثل تعاطي المخدرات أو التفكك الأسري من هشاشة هذا التوازن فتجعل السقوط أقرب مما يبدو ليس باعتباره قرارًا مفاجئًا بل نتيجة منطقية لمسار طويل من الضغط المتواصل الذي يفقد الإنسان قدرته على الاحتمال خطوة بعد أخرى.

السرد كنافذة للفهم
وفي زاوية أخرى يأتي كتاب لماذا ينتحر الناس؟ للكاتبة نيفين رشاد كامل ليقدم مقاربة مختلفة تعتمد على الحكاية لا الرقم وعلى التجربة لا الإحصاء حيث تتحول القصص الواقعية إلى مرايا تعكس تفاصيل لا تلتقطها الدراسات بسهولة وتمنح القارئ فرصة لرؤية الإشارات المبكرة التي قد تمر في الحياة اليومية دون انتباه

ما بين الإنكار والفهم
في النهاية تتقاطع كل هذه القراءات لتؤكد أن الانتحار ليس قرارًا مفاجئًا بقدر ما هو نهاية لمسار طويل من الألم غير المرئي مسار يتشكل في الداخل بصمت ويتطلب من المجتمع أن يغير طريقته في الفهم قبل أن يحاول العلاج لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس الألم ذاته بل تجاهله

ويبقى السؤال معلقًا لا عن سبب الانتحار فقط بل عن اللحظة التي كان يمكن فيها إنقاذ إنسان ولم يحدث ذلك ليس لأن الحل لم يكن موجودًا بل لأن أحدًا لم ينتبه في الوقت المناسب.

ADVERTISEMENT (TEST1)

728 x 90 Leaderboard Area