
“اصحي يا ماما الساعة 6 الصبح”، بهذه الكلمات ايقظت سمر الفتاة العشرينية والدتها للذهاب رفقتها إلى إحدى المستشفيات لإجراء عملية دعامة في القلب، وبالفعل كانت الأم صائمة لمدة 12 ساعة كما طُلب منها قبل إجراء العملية.
وبمجرد أن وطأت قدم الأم إلى استقبال المستشفى، إذا بإحدى الموظفات تُقدم اعتذار للأم ونجلتها، عن تأجيل العملية ليوم أخر، متعللة بعدم توافر دعامة القلب لإجراء العملية، قائلة: “الدعامة سعرها رفع والمستورد هيتأخر شوية في توريدها للمستشفى”.
وفي ظل تكدس المستشفيات بالمرضى الراغبين في تلقي العلاج تارة أو إجراء عمليات جراحية في المستشفيات الحكومية أو الخاصة تارة أخرى، يطفو على السطح ارتفاع أسعار المستلزامت الطبية، وارتفاعها ما بين الحين والأخر دون رقابة أو توضيح لأسباب الأرتفاع في الأسعار.

المستلزمات الطبية تمثل 60% من تكلفة أي عملية جراحية
ونيابة عن المواطنين، طالب نواب بالتصدي للأرباح الطائلة من تجارة المستلزمات الطبية، على حساب صحة المصريين، وفي مقدتهم الدكتور شريف باشا، رئيس لجنة الصحة بمجلس النواب، مطالبًا بضرورة تدخل الدولة بشكل عاجل لتنظيم أسعار المستلزمات الطبية، مشيراً إلى أن غياب آليات واضحة للتسعير أدى إلى تفاوت كبير في الأسعار، وتحميل المرضى أعباء مالية إضافية خلال تلقي العلاج.
وأوضح باشا، أن الأدوية في مصر تخضع لتسعيرة جبرية من هيئة الدواء المصرية ويتم مراجعتها دورياً وفق المتغيرات العالمية وسعر الصرف، وهو ما ساهم في حماية المريض المصري من تقلبات الأسعار.
وأشار رئيس لجنة الصحة إلى أن المستلزمات الطبية تشمل الخيوط الجراحية، والسرنجات، والكانيولات، والقفازات الجراحية، ودعامات القلب، وفلاتر أجهزة التخدير والغسيل الكلوي، موضحاً أنها ليست أدوية ولا أجهزة طبية، لكنها عنصر أساسي في العملية العلاجية.
المستلزمات تمثل ما بين 50% و60% من تكلفة أي عملية جراحية، وفقًا لباشا، ما يجعل ضبط أسعارها أمراً بالغ الأهمية لتخفيف قيمة الفاتورة العلاجية على المواطنين.

مصر تستورد مستلزمات طبية بـ 1.1 مليار دولار سنويًا
وكشف باشا عن أن مصر تستورد مستلزمات طبية بقيمة تصل إلى نحو 1.1 مليار دولار سنوياً، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 1.5 مليار دولار خلال الفترة المقبلة، لافتاً إلى أن القطاع الخاص يشتري هذه المستلزمات مباشرة من الشركات المستوردة دون وجود ضوابط تحدد هامش الربح.
وأوضح أن بعض الشركات تلتزم بهوامش ربح معقولة تتراوح بين 20% و25%، بينما تفرض شركات أخرى زيادات تصل إلى 100% أو 300% في ظل غياب الرقابة والمعايير المنظمة للأسعار.
وطالب رئيس لجنة الصحة بتطبيق آلية “السقف السعري المرن”، بحيث يتم تحديد حد أقصى للأسعار أو هامش ربح مرتبط بالأسعار العالمية وتكلفة الاستيراد، بما يضمن استمرار الشركات في تحقيق أرباح دون تحميل المرضى زيادات غير مبررة.
وأفاد باشا بأن الهدف ليس إلحاق خسائر بالشركات، وإنما تحقيق توازن بين استمرارية السوق وحماية المواطن من الاستغلال، على غرار الآليات المستخدمة في تسعير الأدوية.

صحة المواطن “خط أحمر”
وشدد رئيس لجنة الصحة بمجلس النواب على أن ضبط أسعار المستلزمات الطبية سيسهم في خفض تكلفة العلاج على الدولة والأسر المصرية، ويسمح بإجراء عدد أكبر من العمليات بنفس الموارد المالية، مؤكداً أن صحة المواطن “خط أحمر” وتتطلب تدخلاً سريعاً.
وفي السياق ذاته، قدم النائب الدكتور أشرف سعد سليمان، عضو مجلس النواب ووكيل لجنة الشؤون الإفريقية، طلب إحاطة إلى المستشار هشام بدوي، رئيس مجلس النواب، موجهًا إلى كل من رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان ورئيس هيئة الدواء المصرية، بشأن استمرار خروج سوق المستلزمات الطبية من أي إطار تسعيري منضبط.
وأشار إلى أنه في الوقت الذي تخضع فيه الأدوية لنظام تسعير جبري ورقابة صارمة وفقًا لاختصاصات هيئة الدواء المصرية، تظل المستلزمات الطبية خارج هذه المنظومة، ما يفتح الباب أمام تفاوتات سعرية قد تتجاوز 50% لنفس المنتج بين جهة وأخرى، فضلًا عن تضخم هوامش الربح عبر حلقات التداول المختلفة.
وأضاف أن خطورة الأزمة تتفاقم مع ارتباط الاستيراد بنموذج (4) لتدبير العملة الأجنبية، دون وجود تسعير ملزم يضمن عدالة التداول، رغم تحمل الدولة عبئًا كبيرًا في توفير النقد الأجنبي، وهو ما يستوجب رقابة سعرية موازية تمنع استغلال هذا الدعم غير المباشر.

التصنيع المحلي لا تتجاوز 30%
وأشار إلى أن نسبة التصنيع المحلي في بعض قطاعات المستلزمات الطبية لا تتجاوز بين 20% و30%، رغم امتلاك مصر مقومات قوية لتوطين هذه الصناعة، بما يتيح تغطية الاحتياجات المحلية والتوسع في التصدير لأسواق أفريقيا والشرق الأوسط، وتقليل فاتورة الاستيراد التي تتخطى مليار دولار سنويًا.
وطرح النائب عددًا من التساؤلات، من بينها أسباب عدم إخضاع المستلزمات الطبية للتسعير الجبري حتى الآن، وآليات ربط إجراءات الاستيراد بنموذج (4) دون وجود تسعير عادل، ودور هيئة الدواء المصرية في وضع قواعد واضحة للتسعير، فضلًا عن الإجراءات المتخذة لمواجهة فروق الأسعار الكبيرة.
ووفقا للمادة 10 من قانون جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، يجوز بقرار من مجلس الوزراء تحديد سعر البيع لمنتج أساسي لفترة زمنية محددة، وذلك بعد استطلاع رأي الجهاز، ولا يعتبر نشاطا ضارا بالمنافسة أي اتفاق تبرمه الحكومة بقصد تطبيق الأسعار التي تم تحديدها.
بدوره، أبدى محمد إسماعيل عبده، رئيس الشعبة العامة للمستلزمات الطبية بغرفة القاهرة التجارية، تحفظه على الدعوات البرلمانية بفرض التسعيرة الجبرية على المستلزمات الطبية، مشيرًا إلى أن تنظيم سوق المستلزمات الطبية، أمر ضروري، لكن يجب أن يتم من خلال أدوات اقتصادية مرنة ومدروسة، تضمن تحقيق التوازن بين حماية المستهلك والحفاظ على استقرار السوق، ودون الإخلال بالتزامات مصر الدولية أو التأثير على قدرتها التنافسية.

التسعيرة الجبرية تُعرض مصر لعقوبات منظمة التجارة العالمية
وأوضح عبده، أن ضبط الأسعار لا يتم بفرض قرارات إدارية تؤدي إلى تشوهات في السوق، وإنما عبر الاحتكام لآليات السوق أي تعزيز المنافسة وتوفير البدائل أمام المستهلك، بما يخلق توازنًا في الأسعار وفقًا لقواعد العرض والطلب.
وأشار الي أن المستلزم الطبي ليس له بديل وفي حالة عدم توفره بالمستشفيات فإن هناك تهديدًا حقيقيًا لحياة المرضي، لافتًا إلى ان مصر عضو بمنظمة التجارة العالمية منذ عام 1994 وأيضا مرتبطة مع اهم التكتلات التجارية في العالم باتفاقيات لتحرير التجارة سواء مع الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة او مع الدول العربية باتفاقية تيسير التجارة العربية أو حتي مع الدول الافريقية فمصر عضو في منطقة التجارة الافريقية الكبرى، أو مع دول الميركسور بأمريكا اللاتينية، وكل هذه الاتفاقيات تمنع وضع أسعار جبرية بطريقة إدارية للسلع والخدمات، وتترك التسعير لقوي العرض والطلب تطبيقًا لفكر الاقتصاد الحر الذي تتبناه مصر ومعظم دول العالم.
وأضاف عبده أن محاولة فرض تسعيرة جبرية علي المستلزمات الطبية يعرض مصر لعقوبات منظمة التجارة العالمية بخلاف تداعيات خرق مصر لاتفاقياتها التجارية، لافتًا إلى التاثير السلبي لذلك علي صادراتنا التي تتواجد حاليا في اكثر من 90 سوقا حول العالم، حيث إن مخالفة قواعد التجارة الحرة قد تدفع بعض الدول إلى إعادة النظر في تعاملاتها التجارية مع مصر، وربما فرض رسوم جمركية إضافية على الصادرات المصرية، وهو ما يهدد تنافسية المنتجات الوطنية في الأسواق الخارجية.






