
وصل وفد عسكري رفيع المستوي برئاسة قائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، ورافقه وزير الداخلية، محسن نقوي، إلى طهران مساء يوم الأربعاء، ولم يتم التأكد إذا رافقهم المدير العام لجهاز المخابرات الباكستانية للوفد، وكانت الزيارة في إطار تكثيف إسلام آباد جهودها الدبلوماسية لإحياء المحادثات والوساطة بين واشنطن وطهران، والتي انتهت جولة مفاوضاتها الأسبوع الماضي دون تحقيق أي تقدم، بينما يتواجد رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، في المملكة العربية السعودية في المحطة الأولى من جولة خليجية تستغرق أربعة أيام.
وقد شهدت إسلام آباد يوم 11 أبريل أكبر لقاء مباشر بين مسئولين إيرانيين وأمريكيين منذ أكثر عقد من الزمان، أي ملف الاتفاق النووي الموقع في 2015، والذي أنهاه ترامب في العام 2018، حيث جمع من الجانب الإيراني رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية، عباس عراقجي، ومن الجانب الأمريكي نائب الرئيس جيه دي فانس، والمبعوث الخاص ويتكوف، وصهر الرئيس جاريد كوشنر.
ومن هنا تحمل زيارة المشير عاصم لإيران دلالة هامة ليس من إسلام أباد وحدها، بل من أمريكا أيضًا لطهران، وربما يفسر ذلك تحرك الأحداث على مدار الأيام الماضية، سواء في إلزام واشنطن إسرائيل بأن توقف الهجمات على لبنان، وأيضًا تحرك إيران بإعلان فتح مضيق هرمز، بالإضافة لوجود مؤشرات لانفراجه في الملف النووي المخصب، مقابل الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية، وهو ما يدل على حالة إيجابية في تهدئة الحرب، وتثبت وقف إطلاق النار المؤقت.

لماذا عاصم منير؟
على مدار فترة تأسيس الدولة الباكستانية ويُعرف أن شؤونها وسياساتها تخضع للجنرالات العسكريين، ومن المسلم به أن الرجل الأقوي في إسلام آباد هو قائد الجيش وليس رئيس الوزراء.
ويُعرف عاصم منير بأنه الرجل الذي وضع أسس السياسة الخارجية الباكستانية، كما عزز من سلطاته بهدوء دون الحاجة للإطاحة بالحكام المدنيين والبقاء بعيد عن الأضواء، وإحكام قبضته على الجيش وتوجيه سياسات الحكومة وحتى المحكمة العليا، كما أنه شخص يُثني “ترامب” عليه باستمرار، وقد عزز “منير” من التحول الإيجابي في العلاقات “الأمريكية ـ الباكستانية”، وتعزيز ذور إسلام آباد في الشرق الأوسط، وتدهورت العلاقات نوعًا ما بعد اكتشاف وجود أسامة بن لادن في إحدي المدن الباكستانية، قتل في عملية أمريكية سرية في العام 2011، وتفاقم الوضع في فترة رئاسة وزراء عمران خان الذي حاول صياغة سياسة خارجية باكستانية أكثر استقلالية عن واشنطن، وتحسنت العلاقات “الباكستانية ـ الأمريكية” عندما ألقت إسلام آباد القبض على خمسة أفراد من بينهم مخطط تفجير كابول عام 2021.
وعزز “منير” العلاقات مع الولايات المتحدة مع مشروع العملات الرقمية لعائلة ترامب “وورلد ليبرتي فاينانشال”، كما أشرف على اتفاقية بين الرئيس التنفيذي لشركة “وورلد ليبرتي” نجل ستيف ويتكوف، مع إسلام آباد ضمن بحث إمكانية استخدامها للعملات المستقرة، نوع من العملات الرقمية مدعوم بالدولار تصدره وورلد ليبرتي، عززت تلك المكاسب من مكانة “منير” عندما حدث النزاع القصير الأمد بين الباكستان والهند في مايو 2025 وكانت هي الأعنف منذ حرب عام 1971، والذي انتهى بعد سلسلة من الاتصالات الهاتفية بين مسئولي البيت الأبيض والبلدين توصل على أثره إلى وقف إطلاق النار، وعلى الجانب الآخر يرتبط الجيش الباكستاني بعلاقات مؤسسية راسخة مع القادة العسكريين الإيرانيين، على الرغم من التبادل للضربات الجوية بين البلدين لفترة وجيزة في العام 2024، والتي ساهم “منير” في تخفيف حدتها من خلال التواصل المباشر مع الحرس الثوري.

ما الذي يعرقل المحادثات؟
انتهت مطلع الأسبوع الماضي المحادثات الماراثونية بين أمريكا وإيران في إسلام أباد والتي استمرت لمدة 21 ساعة دون الوصول إلى أي اتفاق، نظرًا لاستمرار الخلاف العميق حول القضايا الرئيسية وعلى رأسها البرنامج النووي، ومستقبل مضيق هرمز، وتخفيف العقوبات، ومنذ ذلك الوقت، تتواصل جهود إسلام آباد لعقد جولة ثانية من المفاوضات، حيث جرى تبادل للرسائل بين طهران وواشنطن عبر إسلام آباد، وصاحب ذلك تصريح الرئيس ترامب يوم الثلاثاء الماضي بأنه يفضل عقد جولة ثانية من المحادثات في باكستان، وأنها قد تعقد في اليومين القادمين، معربًا أن الفضل يعود إلى جهود “منير” في إدارة المحادثات.
وتأمل إسلام آباد أن تستطيع الوصول إلى حل قبل انتهاء وقف إطلاق النار في 22 أبريل، كما سيحاول “شريف” أن يقنع الشركاء الإقليميين في استخدام نفوذهم لإقناع واشنطن بالمشاركة في جولة جديدة من المحادثات مع طهران مع ضمان عدم تجاوز الخطوط الدبلوماسية.
وخلال تلك الأيام الماضية استمر الجيش الأمريكي في الحصار البحري للموانئ الإيرانية، وأفادت القيادة المركزية الأمريكية بأن الحصار المفروض قد أدى إلى منع تسع سفن من الرسو حتى يوم الأربعاء، وعلى الجانب الأخر، هدد قائد القيادة العسكرية المشتركة الإيرانية، علي عبد اللهي، بوقف التجارة في المنطقة إذا لم ترفع واشنطن حصارها، كما حذر أن طهران سترد بإغلاق التجارة عبر البحر الأحمر بالإضافة إلى الخليج العربي وبحر عمان.

ما السيناريوهات المحتملة؟
في حالة النجاح، إذا نجحت وساطة إسلام آباد، فقد تمدد جولة ثانية من المحادثات تعقد في إسلام آباد، حدث اقتراح أن تتم في أوروبا وأشار “ترامب” لاحقًا إلى تغيير تفضيلاته مقترحًا إسلام آباد، مع وقف لإطلاق النار، وفتح الباب أمام حل النزاعات المتعلقة بالسياسة النووية، والملاحة البحرية، وتعويضات الحرب.
في حالة الفشل، قد يؤدي إلى انهيار الهدنة وتعطيل التجارة البحرية، مما يُنذر بتصعيد إقليمي أوسع، ومن النتائج المحتملة الأخرى التوصل إلى اتفاق محدود يُخفف من حدة الأعمال العدائية، لكنه يُبقي الخلافات الجوهرية دون حل، مما يُبقي التوترات مرتفعة.
وتسير إسلام آباد على حبل مشدود ما بين مسئوليات الواسطة التي ألقتها على عاتقها، وما بين تحالفاتها مع دول المنطقة وطرفي الطراع، وقد تنجح في ذلك في حال استمرت المحادثات بين واشنطن وطهران، إن استمرار التواصل يشير إلى حرص كل من واشنطن وطهران على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، بغض النظر عن التمركز العسكري، كما أن أي شكوك إيرانية تجاه باكستان-إن وجدت- يمكن تبديدها على الأقل من خلال اليقين بأن إسلام آباد ستعطي الأولوية لاستقرار المنطقة على أي مصالح أخرى.






